⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المولى سبحانه وتعالى يبين حقيقة التقوى في كتابه في قوله عز وجل في سورة آل عمران –إشارة إلى جواب هذا السؤال–: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ بعدما ذكر الدنيا وزينتها، ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 15-17].
لنأتِ إلى الصيام لننظر: هل تتحقق في هذه الأشياء؟ هذه الصفات هي صفات المتقين.
أول ما ذكرهم به المولى سبحانه وتعالى أنهم يدعون الله عز وجل، ويلجؤون إليه سبحانه وتعالى أن ينجيهم من النار، وفي آيات الصيام ذكرٌ للدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]، هذه الآية تخللت آيات الصيام، وفي ذلك إشارة إلى أن الدعاء مطلوب أثناء الصيام، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد»، والصائم في صيامه يشعر بقرب من الله تعالى، ويزداد إيمانه، ولذا يلجأ إلى الله عز وجل، فإذا تتحقق فيه صفة الدعاء.
كذلك صفة أخرى التي تلي هذا وهي قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾، الصوم نصف الصبر، لأن الصائم يمتنع عن الطعام والشراب والشهوة، يمتنع عن كثير من الأشياء من سائر المفطرات، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى صبر، فهناك صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المصيبة، والصيام يحقق شيئا من ذلك، إذا تتحقق صفة الصبر.
أيضا الصدق، أيضا الصائم لا يؤذي أحدا من الناس، ويتحمل الأذى فوق ذلك، وإن جاءه أحد –كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم– فلا يبادله بالمثل، لا يقابل السيئة بمثلها، وإنما يقابلها بإحسان، ويقول: «إني صائم»، «وإن امرؤ قاتله أو شاتمه قال: إني صائم»، نعم، فهو يتحرى الصدق إذًا، ولا يكذب، ولا ينطق بلسانه ما يسوء أحدا من الناس، لأنه يعلم أن الغيبة أيضا تفطر الصائم، والنميمة تفطر الصائم، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الغيبة والنميمة تفطران الصائم».
ولذلك عندما عبَّرت في بداية هذا اللقاء بحقيقة الصيام قلت: هو الإمساك عن جميع المفطرات، ما خصصت بذلك الإمساك عن الطعام والشراب والجماع فحسب، لأنه يدخل في جملة المفطرات ارتكاب كبائر الذنوب والعياذ بالله تعالى، لأن الإتيان بهذه الذنوب ينافي الغاية من مشروعية الصيام، وهي غرس روح التقوى، لأن صاحب التقوى لا يمكن أن يصر على معصية الله عز وجل.