مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

معنى التقوى وعلاقتها بالصوم

هل ربط الصيام بالتقوى يعني أن الصيام هو عين التقوى أم أنه وسيلة لتحصيل ثمرة أخرى هي التقوى؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن مفهوم التقوى هو مفهوم أعم من الصيام وحده. مفهوم التقوى يشمل امتثال أوامر الله تعالى جميعا، والازديار – أي اجتناب – نواهيه سبحانه وتعالى كلها. مفهوم التقوى يعني اتقاء سخط الله تعالى، فكلمة التقوى مأخوذة من وقاه يقيه فاتقاه، بمعنى جنّبه يجنّبه فتجنّبه، فتقوى إذا من حيث المدلول اللغوي هي بمعنى التجنب والابتعاد. يقال: اتّقى هذا الشيء بمعنى تجنّبه. ومنه قول الشاعر: سقط النصيف ولم تُرِد إسقاطَه فتناولَتْه واتّقتْنا باليدِ أي جعلت اليد حائلا بينها وبين أن نرى وجهها عندما سقط نصيفها. فإذا التقوى بمعنى تجنّب، ولكن أيُّ تجنّبٍ هذا؟ لأن الأمر يتعلق بالله، يقال: اتّقوا الله، فهل معنى ذلك أن نتجنّب الله؟ حاشا، ولكن معنى التقوى هنا تجنّب سخط الله تعالى، وتجنّب سخط الله إنما هو بفعل أوامره، والاستجابة لنواهيه. وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن مدلول التقوى يشمل العقيدة في الشرع، يشمل العقيدة والأعمال الصالحة كلها، بجانب اجتناب الأعمال السيئة والأخلاق المذمومة. والله سبحانه وتعالى عندما وصف القرآن الكريم قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم بيّن من هؤلاء المتقون الذين كان القرآن هدىً لهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبالآخرة هم يوقنون. فإذا دلت هذه الآيات على اشتمال التقوى على العقيدة، ولا ريب فإن التقوى لا يمكن أن تقوم إلا على العقيدة الصحيحة الناصعة، عقيدة تعرِّف الإنسان بالله واليوم الآخر. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]، ثم بيّن من هؤلاء الذين اتقوا، وقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 16-17]. وصفهم الله تعالى بهذه الصفات: الذين يقولون ربنا إننا آمنا، معنى ذلك أن الإيمان داخل في التقوى، ثم مع ذلك وصفهم بالصبر، والصبر مدلوله واسع ومتعلقاته كثيرة؛ لأن الصبر إما أن يكون صبرا على الطاعة، وإما أن يكون صبرا عن المعصية، وإما أن يكون صبرا على المصيبة، وعلى أي حال كل هذا الصبر مطلوب. فإن الصابرين المذكورين هنا هم الذين يكفّون عن معاصي الله تعالى ولو تركت إليهم نفوسهم، وهم الذين يعملون بأوامر الله تعالى وإن شقّت عليهم، وهم مع ذلك يتحمّلون كل ما يأتي من قضاء الله تعالى وقدره. الصابرين والصادقين: الصدق في القول والعمل، ليس الصدق في القول وحده، وإنما الصدق في القول والعمل، بدليل قول الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. وكذلك هناك أدلة أخرى تدل على أن الصدق في القول والعمل. ومع هذا أيضا يصفهم الله تعالى بالقانتين، والقنوت يعني التوجّه إلى الله تعالى بحسن الطاعة وأداء الواجبات، وإخلاص هذه الطاعة لله تعالى، ومع ذلك يصفهم الله سبحانه بأنهم يستغفرون في الأسحار، ومعنى ذلك أنهم يقومون الليل يتهجدون، ويسألون الله تعالى المغفرة. فعلى أي حال مدلول التقوى مدلول واسع. وكذلك وصف المتقين في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، ووسط هؤلاء المتقين قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 134-135]. هذا كله مما يُبصِّر بالتقوى. وعلى أي حال، الصيام بدَأَهُ للتقوى، هناك عبادات شُرعت، كل عبادة من هذه العبادات سبيل إلى التقوى؛ ولذلك ناط الله سبحانه وتعالى العباداتِ المشروعةَ – عندما أمر بها – بالتقوى، في مطلق وصفه للعبادات، عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، أي لكي تتقوا، على أن «لعلّ» تأتي بمعنى «كي» تعليلية، وبمعنى اللام التعليلية. إذًا العبادات جميعا إنما تؤدي إلى التقوى، ومن بينها عبادة الصيام. وكيف تؤدي عبادة الصيام إلى التقوى؟ الصيام دورة يدخلها الإنسان في كل عام مرة واحدة على الأقل في شهر واحد، وهو شهر رمضان المبارك، من أوله إلى آخره، بحيث يصوم نهاره في هذا الشهر الكريم ليفطم النفس عن ملاذّها، ويعوّد النفس أن تستعلي إرادتها على شهواتها ورغباتها، ومع ذلك أيضا يفطم النفس عن كل ما يروق لها من معاصي الله سبحانه وتعالى، فإن الصيام تجنّب لمعاصي الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله» كما جاء ذلك في رواية الإمام الربيع رحمه الله من طريق ابن عباس رضي الله عنهما، وجاء عند الإمام البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه». من لم يدع قول الزور والعمل به فإنه لا يستفيد شيئا من صيامه، ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. هذا الكلام خارج مخرج التهديد لأولئك الذين يكفّون عن الأكل والشرب ومباشرة النساء في شهر رمضان، ولكنهم لا يكفّون عن معاصي الله، فالله تعالى ليس بحاجة إلى شأن هؤلاء، إلى ما يقدّم هؤلاء، وهو الغني عن كل أحد، ولكن الله شرع العبادات لمصلحة العباد، على وجهٍ معيّن، وجه فيه البناء للأخلاق الفاضلة، والبناء لاستقامة الإنسان في حياته كلها. فعندما يؤدي الإنسان الصيام على هذا النحو، بحيث يدع قول الزور والعمل به، ويلتزم طاعة الله تعالى، ويلتزم أداء ما أمر الله تعالى به… الصيام إنما هو مدرسة في الأخلاق، يتعلم الإنسان فيها كيف يخالق غيره بأحسن الخلق، من أهم ما يكتسبه به المسلم. وفي الحديث الشريف: «إن أقربكم إليَّ وأحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا». مقدار الخلق هو مقياس حال الإنسان من استقامة أو غيرها؛ ولذلك وصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بالخلق العظيم. ونتبيّن كيف أُمرنا في الصيام بأن نلتزم الخلق الرفيع؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، فإن امرؤ سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم». هذا خلق رفيع، يعلِّمُه النبي صلى الله عليه وسلم أمته ويربّيهم عليه من خلال هذه العبادة المشروعة، عبادة الصيام، بحيث لا يكون للصائم أن يقابل الإساءة بالإساءة، وإنما عليه عندما يلقى إساءة من أي أحد أن يكافئ هذه الإساءة بالإحسان، فيقول: إني صائم، ولا يزيد على ذلك، وبهذا يذكّر نفسه بقدسية الصيام الذي هو فيه، حتى يرعوي عن محاولة إيذاء غيره، وكذلك يذكّر الغير بذلك إن كان من المسلمين بأنه في عبادة مقدسة تتنافى مع ما جاء به من هُجر مقالي أو قبيح الأفعال، فيرعوي عن ذلك أيضا، ويرجع إلى أخيه بالصفاء والمودة والإخلاص. والله تعالى أعلم.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٢٧‏/٥‏/٢٠١٧👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - #الشيخ_أحمد_الخليلي 1 رمضان 1438 هـ HD

العقيدةمسائل المتنوعة في الصوم

✦ فتاوى مشابهة

ربط التقوى بالصيام

2 👁

لماذا رُبطت التقوى بالصيام خُصوصاً فجُعلت غايته، ولم تُربط بالصلاة أو الفرائض الأخرى التي يمارسها المسلم باستمرار؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١

التقوى وثمرات الصيام

2 👁

هل تقوى الله نتيجة لازمة للصيام وحده أم أنها تحتاج إلى برنامج إيماني خاص زائد على مجرد الصيام؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٩‏/٦‏/٢٠١٤

تحقق التقوى في حياة الصائم

0 👁

كيف تتحقق التقوى في حياة المسلم من خلال الصيام؛ هل مجرد الامتناع عن الطعام والشراب واللذات طوال النهار هو التقوى؟

👤عبدالله بن سعيد المعمري
٣١‏/٥‏/٢٠١١

حقيقة التقوى

2 👁

ما حقيقة التقوى شرعاً وكيف تُعرَّف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

ربط الصيام بالحياة اليومية

2 👁

كيف يمكن ربط عبادة الصيام ببرامج الحياة اليومية للمسلم وآثاره في تنظيم حياته؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٣‏/٢٠٢٣

علامات تحقق التقوى

2 👁

هل توجد علامات أو إشارات يعرف بها الصائم أنه متلبس بالتقوى في رمضان؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٨‏/٦‏/٢٠١٥