⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن النفحات الرمضانية هي التي تغرس في نفس المؤمن تلك المشاعر التي وصفتم؛ فإن المؤمن الصادقة الموصولة بالله تبارك وتعالى يتشوف دوما إلى مواسم الطاعات وإلى فرص القربات التي تبلغه تقوى الله سبحانه وتعالى وتقرّبه منه جل وعلا. ولا ريب أن رمضان مشتمل على الكثير من النفحات الربانية التي تسمو بروح الصائم، فتهذّب له نفسه وتهذب له طباعها، وتسمو بأخلاقه إلى أن يكون أهلا لأن يباهي الله تبارك وتعالى به ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وأوجه تحقق ذلك للمؤمن عديدة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه»؛ فإن فرح الصائم بفطره ليس بذات إفطاره وتحلّله من حالة الإمساك التي كان عليها إلى حالة الأكل والشرب التي أباحها له ربه سبحانه وتعالى، وإنما فرحه بذلك واستبشار بقدرته على التغلّب على نفسه وتملّك زمام شهواتها، والأخذ بها إلى حيث أمره الله سبحانه وتعالى وإلى حيث نهاه، ففرحه إنما هو فرح بطاعة، واستبشار بأداء عبادة قرّبته إلى الله تبارك وتعالى، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
فحينما يجد المؤمن في نفسه أنه استطاع أن يؤطِر هذه النفس في الحدود الشرعية، فتغلّب على الشهوات وعلى الأهواء والرغبات التي يمكن أن تتناوب نفسه، ويمكن أن تصوِّر له أن تلك المباحات أصلا كان يمكن له فيما بينه وبين نفسه أن يأتيها، لكنه استطاع أن يكبح جماح نفسه؛ حينما يتذكر أنه استطاع أن يقابل الإساءة من الآخرين بالإحسان، وبتذكير نفسه وتذكير الآخرين بأنه صائم؛ فإنه يفرح بذلك. إذاً هذا الزاد الروحي هو سبب تشوّف المسلمين إلى موسم رمضان.
إذا أضفنا إلى ذلك أن رمضان باب موصل إلى تقوى الله تبارك وتعالى، فلا شك أن كل سبب يؤدّي بالمسلم إلى تقوى الله عز وجل هو مما يسرّ به هذا المسلم، ومما تتشوف إليه نفسه وتتطلع.
ورمضان من أقوى عُرى وصل هذا المؤمن بأسباب التقوى؛ لأن التقوى في حقيقتها هي تجنب كل ما فيه سخط المولى جل وعلا، وهذا التجنب، هذا الابتعاد عما يسخط الله سبحانه وتعالى، يتحقق، يتأتى للمؤمن بفعل الواجبات، ترك المنهيات، والمبادرة إلى الأعمال المندوبات.
ونحن نجد أن كل هذه الأفعال توجد في رمضان؛ فرمضان هو امتناع عن جميع المفطرات: عن المفطرات المادية من الأكل والشرب والجماع وما في حكمه، وعن المفطرات المعنوية من كبائر الذنوب ومن سيئ الأخلاق والخلال، فحينما يمنع نفسه من كل هذه المفطرات مادّيّها ومعنويّها فإنه بذلك يحقق معنى التقوى في نفسه؛ لأنه التزم بحقيقة الصيام التي بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله»، وبهذا تتحقق له الوقاية من الوقوع في المعاصي والآثام، أو من الوقوع فيما فيه وِزر ومؤاخذة، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم جُنّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفثْ ولا يَصخَبْ ولا يجهلْ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل إني صائم».
ثم هناك وجه آخر، وهو أن رمضان هو شهر القرآن؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185] ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. فإذا ما كان المسلم قريبا من كتاب ربه جل وعلا يناجيه به، يتلوه غدوّه ورواحه، يتدبر معانيه، ويذكّره بالكلام الذي أنزله عليه، فإن ذلك لا شك يجلو له نفسه ويصفيها من أدران هذه الحياة الدنيا، ويسمو بها فوق شهواتها وأهوائها، لترفَعَ في مدارج الكمال، فتنشُدَ ما عند الله تبارك وتعالى من نعيم مقيم ومن فردوس أعلى، وتستلهم من هذا الكتاب العزيز الذي تتلوه آناء الليل وأطراف النهار تستلهم العبر والعظات والزاد الروحي الذي يمكنه من مواجهة خطوب هذه الحياة الدنيا؛ فهذا وجه آخر يدفع المؤمنين إلى الاستبشار بموسم رمضان.
وبالأخصّ أيضا ما يحققه الصيام من معنى وحدة المؤمنين وتآلف قلوبهم وتصافي نفوسهم؛ لأن رمضان نيط صيامه بهذه الأمة جميعا أفرادا وعلى مجموع هذه الأمة؛ فحينما يستشعر الصائم أنه يؤدي هذه العبادة مع غيره، وأن سائر المكلَّفين من أبناء هذه الأمة رجالا ونساء، صغارا وكبارا، يتنافسون لأداء هذه الفريضة، لا شك أن ذلك يورثه شعورا بانتمائه إلى أمة واحدة، ويدفعه إلى أن يتمثل المعاني الحقيقية لهذه الوحدة التي يرى آثارها واقعا في أدائه لهذه العبادة.
وبالتالي فحينما تتجلى مظاهر هذه الوحدة من خلال هذه العبادات، من خلال الصيام نفسه، ومن خلال ما يقوم به من مندوبات ومن قربات، ومن خلال تذكره أيضا لاحتياج الفقراء والمساكين وللأواء التي يعيش فيها بعض المحرومين في هذه البسيطة؛ فإن المشاعر عندها تتلاحم، وسوف تجود نفسه سخاء وبذلا وعطاء، وهذا في حد ذاته يعزّز أُلْفَة المؤمنين، وهي من أعظم مِنَنِ الله عز وجل به على عباده حينما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]؛ فقبل أن يصبح هؤلاء المخاطَبون، قبل أن يصبحوا إخوانا سبق ذلك إعداد، وهذا الإعداد هو الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة من تأليف قلوبهم: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وهذا أيضا ما نجده في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: 63] ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63].
إذاً هذه الأوجه كلها هي الأسباب التي تؤدّي إلى أن يتمثل المؤمن رمضان موسما للخير والطاعة والإقبال على الله تبارك وتعالى، والإكثار من الحسنات، وهو يعلم أيضا أن حسن أدائه لصيام هذا الشهر يعني مضاعفة أجور طاعاته وأعماله الصالحة، ومضاعفة الأجور لا شك هي فرصة ذهبية يتنافس فيها المتنافسون؛ فينبغي للمسلم أن يحرص دائما على أن يتذكر هذه المعاني حتى يكون من هؤلاء الصنف الذين يتطلعون إلى صيام رمضان على النحو الذي يحقق لهم أثره ويرضي ربهم سبحانه وتعالى.