⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن خطاب الله لعباده سبحانه وتعالى يتجاوب مع الفطرة السوية التي فطر الله تعالى الناس عليها، ولا يكون في أي خطاب رباني يُوجَّه إلى العنصر البشري غير منسجم مع الفطرة أو غير متجاوب مع مقتضياتها ومطالبها، ولا يمكن أن يكون هناك نشاز ما بين أوامر الله سبحانه وتعالى التي جاءت في كتابه الكريم وبين ما فُطر عليه العباد، إذ الله تعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
نعم، إن الإسلام بكل معانيه: عقيدة وعبادة وفكرًا وسلوكًا وسياسةً واجتماعًا، القران الكريم برص صف الأمة وجمع كلمتها ولَمِّ شتاتها والقضاء على أسباب الخلاف فيها ظاهر لا يُنكر، بل عنصر الوحدة والاتفاق بين الأمة موجود في كل تشريع رباني، حتى في العبادات التي هي صلة بين العباد وبين ربهم، وهي ضريبة العبد يقدمها العبد لله عز وجل، لا تخلو عبادة من هذه العبادات مما يهذب هذه النفوس البشرية لتكون مستعدة للاندماج والانسجام والألفة والمودة والقضاء على كل سبب للخلاف والشقاق فيما بينها.
فلذلك نحن نعجب: كيف تنفر النفوس من الوحدة وتميل إلى الخلاف والشقاق؟ نحن عندما نأتي إلى خطاب الله سبحانه وتعالى نجد أن الله عز وجل يدعو إلى الاتحاد في آيات متعددة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، و﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
الآيات القرآنية واضحة، فضلًا عما نجده في تضاعيف الحكم الربانية في العبادات المشروعة على اختلاف أنواعها، ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف تُجسَّد هذه الوحدة بين الأمة عندما يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه ولا يحقره، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعِرضه»، والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن كيف يكون هذا التوحد وهذا التراص ما بين هذه الأمة إذ يقول: «ترى المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
ولو جئنا نحن إلى القرون الماضية لوجدنا هذا الأمر لم يكن أمرًا تنظيريًّا، أو لم يكن أمرًا مُلقى في متاحف الأفكار فحسب، وإنما كان أمرًا تطبيقيًّا في حياة الأمة: كيف انسجم المهاجرون والأنصار، وكيف انسجم الأنصار أنفسهم فيما بينهم بعد ذلك الشقاق، وبعد تلك الحروب الدامية والصدام المسلح الذي ظل بين فِئَتَيْن مائةً وعشرين عامًا، حتى كانوا يتوارثون الأحقاد، وكانت سيوفهم تقطر دمًا، فلم تُغمَد ولم تُسَلَّ إلا في مواجهة العدو المشترك. كانت الوحدة التي جمعتهم وألَّفت بين قلوبهم وألَّفت بينهم وبين المهاجرين، هذه الوحدة هي التي رفعت من مكانتهم، وهي التي كانت القاعدة لبناء هذه الأمة، فوجدت أمة انقلبت من الذلة إلى العزة، ومن الشتات إلى الاجتماع، ومن التفرق إلى الاتحاد، ومن التنازع إلى الألفة والتوادّ والتراحم، فانطلقت هذه الأمة في أرجاء الأرض مستهديةً بهداية الله سبحانه وتعالى، مستهدِفةً كل جبار عنيد وشيطان مريد يتسلط على عباد الله بغير إذن من الله سبحانه وتعالى، ففتحوا العالم وذاقت الإنسانية طعم العدل والإنصاف، فعرفت هذه الإنسانية قيمتها، وأدركت أين موضعها في هذه الحياة.
فإذا هذه الأمة كما قلنا: لا يصلح آخرها إلا ما أصلح أولها، وهذا ما لا يكون إلا بالرجوع إلى تلك المنابع التي وردها ذلك السلف العظيم. هذه الأمة إنما كوَّنها القرآن، ربّاها القرآن، وبقدر ما تبتعد عن القرآن تكون بينها الحزازات، ويكون بينها الشقاق والخلاف.