⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم أما بعد؛ فإن الوحدة بين الأمة مطلب فطري ومطلب ديني.
فهو مطلب فطري من حيث إن الإنسان قليل بنفسه كثير بأخيه، والإنسان اجتماعي بطبعه، مدني بفطرته، فلا يمكن لأي إنسان أن يستغني عن غيره، لا يمكن لقوي أن يستغني عن ضعيف، ولا لضعيف أن يستغني عن قوي، ولا لحاكم أن يستغني عن محكوم، ولا العكس، بل الكل مشتركون في الافتقار، الناس للناس من بدوٍ ومن حضرٍ بعضٌ لبعضٍ وإن لم يعلموا خدموا.
هكذا اقتضت سنة الله تعالى أن يكون الإنسان يخدم مصلحة غيره من حيث يدري ومن حيث لا يدري، لتوقف المصالح بعضها على بعض وتشابكها فيما بينها حتى لا يستغني أحد عن آخر، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لجعل كل إنسان مستقلاً في حياته، ولكن هكذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى.
فلذلك كان على الأمة – وهي مطالبة بأن تكون رائدة ما بين الأمم فيما يدعو إلى مصلحة البشر وفيما يدعو إلى رفع الشقاق بين الناس – أن تكون هذه الأمة لها الريادة في الألفة والوفاق والوحدة واجتماع الكلمة، وهذا ما يفرضه عليها دينها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ويقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
وفي هذا ما يشير إلى أن هذه الوحدة بين الأمة إنما تتم في ظل عبادة الله وفي ظل تقوى الله، فلذلك يجب الارتكاز على أمر العبادة، يجب على الكل أن يؤدي العبادات، وأن يتعاون الكل على هذا، وأن يذكر بعضهم بعضاً، وأن يأخذ بعضهم بيد بعض إلى هذا الأمر، وكذلك بالنسبة إلى التقوى.
فبهذا تتآلف القلوب وتحيا الضمائر وتتوحَّد الكلمة وتُستَلُّ السخائم والأحقاد من صدور الأمة، حتى تكون – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم –: «ترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
فيجب على الأمة أن تتيقظ، على أن من المعلوم أن الأمة تمر الآن بمرحلة صعبة، مرحلة يتربص بها عدوٌ يؤجج نار الفتنة بينها، وقد انساقت الأمة – عن وعيٍ أو عدم وعي – مع هذه الرغبة، رغبة عدو الأمة في دفعها في الفتن، وفي تأجيج نار الحمية الجاهلية فيما بينها.
فأصبحت الأمة في وضع يُرثى له، هي – مع الأسف الشديد – توقد نار الحرب بأي وقود؟ بأبنائها، كل فئة تحارب الفئة الأخرى إنما تقدم أبناءها ليكونوا وقوداً لهذه النار، وتوقد هذه النار بأموالها، من المستفيد؟ إنما المستفيد عدو الأمة المشترك، فهو الذي ترك هذه الأمة تتناحر فيما بينها بهذا القدر، تُهلك الحرث والنسل في محيطها، وتقضي على الطارف والتلي من ثروتها، وتقضي على أعز ثروة بشرية عندها في سبيل تأجج هذه النار والعياذ بالله تعالى.
إذاً العدو المتربص هو الذي يستفيد من هذا، وهو الآن يتفرج، يتفرج على هذه الأمة التي تتساوق إلى هذه الفتنة من حيث تدري ومن حيث لا تدري، قد كان حرياً بها أن تجتمع لمواجهة العدو، وقد كان حرياً بها أن تجتمع لأجل عزتها ولأجل شرفها ولأجل استرداد الحقوق المسلوبة منها، ولكن الأمر كان بعكس ذلك مع الأسف الشديد، مع الأسف الشديد.