⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يمكن أن تكون واقعًا عمليًّا، حتى – يعني – أكون أيضًا في جوابي بعيدًا عن التنميق، سأذكر بعض الخطوات أستشهد لها بأدلّة من كتاب الله عز وجل.
أولًا: في قول الله تبارك وتعالى – كما في الآية التي ذكرتها سابقًا – وهو قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وهذه الآية جاءت بعد بيان – كما قلت – صنفين من الناس: صنف يتّسم بصلاح القلوب، وأنه يتحرّى ما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وصنفٍ يأنف ويستكبر من ذلك مع ما يُبديه ممّا يُعجِب الناس من أحواله وشأنه؛ فهذا يعني أن بلوغ المسلمين غايتهم من الدخول في السِّلم كافة مشروط بإصلاح أحوالهم، بإصلاح قلوبهم، بصلاحهم في أنفسهم؛ فلا بدّ من أن يتحرّوا ما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وما يحقّق لهم معنى الصلاح.
وهذا المعنى متأكِّد أيضًا في قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، فالأمر بالتقوى بداية، ثم جاء معطوفًا عليه الأمر بالتوحيد، وبأن يحيى المسلم على هذا الدين الحنيف، وعلى التوحيد الخالص لله عز وجل، دليلٌ على أهمية إعلاء شأن تقوى الله عز وجل، وإصلاح أحوال الأنفس. هذا المعنى أيضًا نلحظه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]؛ هنا أمر بالتوحيد – أي لا تعبدوا إلا الله سبحانه وتعالى – وفي آية سورة المؤمنون: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ممّا يعني أن قدرة المؤمنين على بلوغ هذه الوحدة أو التآلف أو التأخي مشروط بامتثالهم لتقوى الله سبحانه وتعالى، وإصلاح أحوال أنفسهم، بتحرّي ما فيه مرضاة المولى جل وعلا.
نعم، الخطوة الأخرى اللازمة لبلوغ المسلمين حدّ التآلف: أن ينبذوا أسباب الأثرة؛ بمعنى إيثار الأنفس على حساب مصالح عموم المسلمين. وأنا هنا حينما أقول «الأنفس» لا أقصد الأفراد، بل قد يكون ذلك لعموم الجماعة أو المجتمع، أو قومٍ من الأقوام، أو مدرسةٍ أو مذهبٍ أو شعبٍ ينتسب إليه؛ على حساب عموم مصالح المسلمين، بل لا بدّ أن يكون الإيثار والتغليب لعموم مصالح المسلمين الكبرى؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقرّر هذا المبدأ للمؤمنين حينما يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، ممّا يعني أن رفع شعار الانتساب لهذه الأمة الواحدة لا بدّ أن يكون مقدَّمًا على غيرها من الشعارات الضيّقة، ومن المصالح الشخصية الآنية الدنيوية.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ – مرّة أخرى نجد معنى «الصلاح» هنا – ثم نجد أن الشعار المقدَّم الذي يُضَحِّي من أجله المسلم هو ليس شعار الفئة التي ينتسب إليها، أو الطائفة، أو الحزب، أو المذهب، أو المدرسة، وإنما شعار انتسابه إلى هذه الأمة: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فليت المسلمين اليوم ينتبهون إلى هذا المعنى اللطيف الواضح في هذه الآية من كتاب الله عز وجل.
كيف، ونحن نجد أن الذي يَلي هذه الآية هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٥]. فهذه خطوة أخرى؛ لأن الله سبحانه وتعالى شرع لنا دينًا يعالج هذا الواقع الذي نحن فيه، وهو جل وعلا يعلم أن أنظارنا ستختلف، وأن آراءنا ستتعدّد، لكنه لا يريد لنا أن نخرج إلى حدّ الشقاق والنزاع؛ ولذلك بعدما أمرنا برفع هذا الشعار وبتمثّله في واقع الحياة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، حذّرنا من أن يدفعنا تنوّع آرائنا واختلاف أنظارنا إلى أن نتقاتل ونتنازع فيما بيننا، ولذلك قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
هذه خطوة عملية نتعامل بها، نتعامل وفقًا لها في معالجة خلافاتنا وتعدّد آرائنا وتنوّع أنظارنا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وبالتالي من باب أولى أن يكون الذي بينك وبينه أخاء ومودّة وموالاة هو أقرب إليك وأبلغ في تحقيق هذه الغاية المقصودة، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ ولذلك بيّن الله سبحانه وتعالى أن اتّباع هذا المنهج لا يقوى عليه إلا من أوتي حظًّا عظيمًا: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
في خطوة أخرى عملية أيضًا نجد أن الله سبحانه وتعالى ينهانا عن اتّباع ما يؤدي بنا إلى الفشل، والذي يؤدّي بالمسلمين إلى الفشل هو التنازع؛ ولذلك قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]؛ إذ نهانا عن التنازع، وبيّن عاقبة هذا التنازع: أن التنازع يفضي إلى الفشل وإلى ذهاب الريح؛ فبدل أن يعتزّ المسلمون بانتسابهم إلى دينهم، وبدل أن يتحقّق لهم النصر والتمكين، يحلّ محلّ ذلك كله النزاع والشقاق، فتكون النتيجة: الفشل وذهاب الريح: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
لكن حتى إن حصل شيء من الاختلاف، فإن الله سبحانه وتعالى أيضًا يبيّن لنا كيف ندفع هذا الخلاف، وكيف نتعامل معه حينما يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]؛ هنا يعاتب الله سبحانه وتعالى ضعاف الإيمان من ضعاف القلوب من المؤمنين، ويعاتب المنافقين بأنهم إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به، نشروه، تخذيلًا في واقع المسلمين، وسعيًا بالفرقة والشتات، فيبيّن بعد هذا العتاب ما هو المنهج الذي ينبغي عليهم أن يتّبعوه، فيقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وهذه الآية جاءت عقب قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
هذه الآية تؤكّد للمسلمين، وتبيّن لهم ما لا بدّ لهم أن يقفوا عنده، وهو متناغم … إلى آخر ما ذكر من ضرورة أن يكون هذا المبدأ مبدأً دائمًا في حالات الأمن والخوف، والسلم والحرب، والفتن والحروب، وفي حالات السعة والرِّفق واللين؛ لكونه من المبادئ، لا من ردود الأفعال ولا من المصالح العارضة.
فلذلك لا بدّ من اتّباع هذه الخطوات في سبيل الوصول إلى معنى الوحدة أو الأخاء أو التقارب الذي قرّرته آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.