⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحج من أعظم شعائر هذا الدين التي تورث المؤمنين أُلْفَةَ قلوب، واتحاد كلمة، وسعيًا إلى المقاصد الكبرى التي أرادها لهم ربهم تبارك وتعالى من العِزَّة والكرامة، ومن التعرُّف يقينًا على حقيقة هذه الحياة الدنيا، والرغبة فيما عند الله تبارك وتعالى في الحياة الآخرة، ومن تبيُّن أن المؤمن يُبتلى في هذه الحياة الدنيا، وأن عليه أن يكون دومًا موصولًا بالله تبارك وتعالى، طامعًا فيما عنده، ساعيًا إليه، شعارُه في هذه الحياة: «لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
هذا نداءٌ يقوله المُحْرِم بالحج، وهذا نداءٌ ينطلق من قلب غير المُحْرِم، من كل مسلم في الآفاق؛ لأنه يُعاهد الله تبارك وتعالى على الطاعة له جل وعلا، والولاء له، وحبِّ عباد الله المؤمنين، والاعتراف له جل وعلا بالنِّعمة والفضل، مما يدفعه إلى أن يسترخص ما يبذله في سبيل الله. ولذلك لما عرَّف الفقهاء الحج بأنه عبادة بدنية مالية، فذلك لما يشتمل عليه من كل أنواع العبادات وأجناسها؛ ففيه الصلاة، وبذل المال، وفيه الصيام لعموم المسلمين لا للواقفين يوم عرفة؛ أيامُ الأيام الأولى من ذي الحِجَّة إلى يوم عرفة فإنه يُسَنُّ ويُندَب باستحباب صوم يوم عرفة.
اجتماع هذه العبادات هي في حقيقتها مدعاةٌ إلى أن تَأتَلِف عليها قلوب المسلمين؛ قِبلتُهم واحدة، ربُّهم واحد، عبادتهم واحدة، نِداءُهم واحد، اجتماعهم في صَعَدٍ واحدة، تعظيمهم للشعائر واحد؛ فكلهم يُعظِّمون شعائر الله تبارك وتعالى ليتحصَّل على تقوى القلوب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]؛ أن يتذكروا أنهم أمة واحدة، وأن عِزَّهم واحد، وأن نصرتهم لبعضهم البعض واجبٌ عليهم، وأن من أهم واجباتهم أن ينصروا الحق، وأن يبسطوا العدل في هذه البسيطة، وأن يُبلِّغوا دين الله تبارك وتعالى.
يكفيهم لو تذكَّروا خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – عليه الصلاة والسلام – حينما قال مقدِّمًا في خطبة الوداع: «أيُّ يومٍ هذا؟» وجماهير المسلمين من أمامه ينتظرون ما يقوله عليه الصلاة والسلام، «أيُّ بلدٍ هذا؟ أيُّ شهرٍ هذا؟» حتى قالوا: ظننَّا أنه سيسمِّيه بغير اسمه، مقدِّمةً؛ لأنهم يعظِّمون المكان، ويعظِّمون الزمان، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يبيِّن لهم عِظَم ما سيذكره لهم. وماذا قال؟ قال: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». لو أن المسلمين أخذوا بهذه المبادئ لكانت سببًا لاجتماع كلمتهم، ولإزالة أسباب العداوات والفُرقة والشَّتات فيما بينهم؛ لا يحقِر بعضُهم بعضًا، ولا يَستعلي بعضُهم على بعض، ولا يأنَف بعضُهم من نُصرة أخيه المسلم إن احتاج إليه، أو مَدِّ يد العون عنه؛ فالمسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم.
يتذكَّرون هذه المعاني التي يُعلنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الشهيد، في ذلك الموقف المهيب، وهو يستشهد ربَّه تبارك وتعالى، يرفع يده في السماء، ثم ينكُت فيهم ويقول: «ألا هل بلَّغتُ؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلَّغتُ؟ اللهم فاشهد». هذه هي الجوامع الكبرى التي تجمع المسلمين؛ لو أنهم وقفوا عندها لاستُغْنِيَ عن كثير مما أدخلوا فيه أنفسهم من متاهات التنازع والتخاصم والعصبيات والمذهبي وما سواها.
صحيح أن مقاصد الحج تتعلَّق بغَرْس معنى التقوى، وتهذيب هذه النفوس، وصياغة نظرة المؤمن إلى هذه الحياة، وإلى الحياة الآخرة، نعم، لكن هذا هو مَكمَن الصلاح، هذا هو مَكمَن إدراك أسرار هذه الشعيرة العظيمة؛ فإذا غُرِسَت هذه المعاني في حُجَّاج بيت الله الحرام، وعند عموم المسلمين في الآفاق – لأن موسم الحج لا يُخصَر، وفضائل شعيرة الحج لا تقتصر على المُحْرِمين الملبِّين بنداء الحج، نعم، ها نحن في الآفاق وفي الأمصار نشاركهم في فضل العشر الأول من ذي الحِجَّة، وفي فضل يوم النحر، وفي فضل أيام التشريق – نشاركهم فيما دعانا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أفضلُ وأحبُّ إلى الله من هذه العشر» يعني عشر ذي الحِجَّة، نعم، وفي رواية: «فأكثِروا فيهنَّ من التهليل والتحميد والتكبير».
وكأننا متلبِّسون أيضًا بحالة الإقبال على الله تبارك وتعالى، ثم نشاركهم؛ فلئن كانوا هم يحوزون فضل الوقوف بعرفة، ذاكرين داعين لله تبارك وتعالى، فإننا نحوز معهم فضل يوم عرفة بما بيَّنتْه سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ إنه من أفضل الأعمال فيه الصيام والدعاء؛ نعم، فقد ثَبَت في فضل صوم يوم عرفة قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن يكون كفَّارةَ سنتين: الماضية والباقية» أو «الحاضرة والمستقبلة». فهذا ليشترك المسلمون في هذه المشاعر والمناسك، كلٌّ بما وُجِّه إليه الخطاب به، نعم، فيتحقق فيهم معنى الأمة الواحدة، يتحقق فيهم معنى إدراك معنى اتحادهم واجتماعهم، وما يسعون إليه من غايات، وما يكون سببًا لاجتماع كلمتهم، وتآلُف صفِّهم، وما يشهدوا من منافع.
وأن سبيل ذلك إنما هو بأن يعزوا إلى إيمانهم وعقيدتهم، وإلى صلتهم بالله تبارك وتعالى تجديدًا وإحياءً، ومُوالاةً فيه جل وعلا، وأن يتبيَّنوا حقائق هذه الحياة؛ كل هذه المنافع مودَعة في موسم الحج؛ لأنه يُراد لأمة المسلمين أن يصلوا إلى ما أشرتم، أن يصلوا إلى ما ذكرتموه في السؤال من اجتماع كلمة، ورأب صدع، وأُلْفَة قلوب؛ بهذا تتحقَّق لهم مقاصد الحج، وبهذا يتحقَّق لهم ما يَصْبُون إليه من عِزَّة وكرامة وشرف، وترفُّع عن السَّفاسِف، وعن أسباب الفشل والهزيمة في هذه الحياة الدنيا.