⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لأنهم لم يفهموا، أو لم يستغلوا ما أودعه الله تبارك وتعالى في مناسك الحج مما يدعو إلى أُلفة قلوبهم وتلاقيهم على الخير، وانصهار نـزعات العصبيات فيما بينهم، لم يفهموا ذلك من أمر دينهم، قصَّروا في تمثل ذلك في واقعهم.
فتجد أنهم –وإن كانوا في ملابس متشابهة، وإن كانت تلبيتهم واحدة، وإن كان انتقالهم من مشعر إلى آخر في أوقات متقاربة أو في نفس الوقت– فإنهم لا يُولون ما وراء ظواهر هذه المناسك ما تستدعيه من فهم وفكر وعظة وذِكرى.
ومن أجل ذلك فإن على المسلمين اليوم –إن أرادوا لأنفسهم الخير– أن يستلهموا من موسم الحج هذه المعاني والعِظات: معاني أُلفة القلوب، ونبذ العصبيات، والإقبال على ما يجمعهم، وتعظيم حرمات الله تبارك وتعالى؛ فهم يتعلمون من مناسك الحج تعظيم الشعائر: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
فتعظيم ما عظَّم الله جل وعلا، حينها يعظِّمون أمر الدماء والأعراض والأموال فيما بينهم، حينها يمكن أن تتصافى نفوسهم، وتتلاقى قلوبهم على الخير، وعلى كلمة سواء، وعلى رصِّ صفِّهم، ووحدة كلمتهم.
نحن في موسم الحج، سواء كان الأمر متعلقًا بضيوف الرحمن، بالوفود التي تأتي من كل فج عميق لأداء مناسك الحج وليشهدوا منافع لهم، أو كان الأمر متعلقًا بعموم المسلمين الذين تتطلع نفوسهم ويرقبون حركة الحجاج، ويشاركونهم في دعائهم وضراعتهم وفي آمالهم ومشاعرهم، نبعث رسالة واضحة جليَّة للعالم أجمع: إنه مهما استبدَّت بنا نوازع الفرقة، ومهما ألمَّت بهذه الأمة مما يضعفها ومما يمكن أن يُورثها الذلة، إلا أننا مع ذلك أقوياء بصلتنا بالله تبارك وتعالى، متوحدون بما أودعه الله عز وجل لنا في شعائر هذا الدين.
نبعث هذه الرسالة للعالم أجمع، والعالم يرتعد من هذا المشهد الإيماني المهيب الذي يراه في مثل هذه المواسم؛ فعلا، الحال –حينما تُقلب ما يكتبه الكتَّاب والمفكرون من مختلف أنحاء العالم حينما يسلطون وسائل الإعلام ويرون هذه الحشود الغفيرة، هذه الملايين من البشر الذين أتوا لغاية واحدة، ولعبادة رب واحد، في ظلال دين واحد، وبمناسبة كلمة واحدة، ولباس واحد– فإن الرسالة الجليَّة الواضحة التي يتلقاها هؤلاء: أن هؤلاء ينتسبون إلى أمة واحدة.
لكننا نحن نأبى أن نؤكد هذه الرسالة، نأبى ونمتنع من أن نوصل إليهم حقيقة معنى هذه الرسالة؛ فإن كان ظاهرها وشكلها هو هذا الذي تقدم، فإنه ينبغي لنا أن نجعل باطنها، وأن نجعل جوهرها أيضًا كذلك، متوافقًا مع شكلها وظاهرها ومع هذا الذي يراه الناس منا في مثل هذه المواسم.
فقصور المسلمين هو الذي أدى بهم، تفريطهم في فهم هذه المعاني وفي تمثلها، في فقهها وفي درايتهم بها؛ فما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يغتنموا هذا الموسم المبارك –سواء كانوا حجاجًا أو كانوا في الآفاق– أن يغتنموا هذه الفرصة المواتية لهم.
وأقل ما يستطيع –حتى لا يقال بأننا نتحدث عن نظريات أو مبادئ نظرية– أقل ما يستطيع المسلم الفرد أن يؤديه فيه خير كثير، وهو أن ينزع الحسد والغل والحقد والعداء من قلبه نحو أخيه المسلم، نحو هذا الذي يُلبي معه، من ينتسب إلى مثل مذهبه أو عِرقه أو وطنه أو ثقافته، مع من يُعلي شعار: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، مع من يُعلي شعار يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير».
فلو أن المسلمين استلوا سلاح العداوات والبغضاء، فإنهم سيقدمون لأمتهم خيرًا كثيرًا.
ثم يأتي بعد ذلك المنافع الأخرى التي يجتمع عليها المسلمون في مثل هذه المواسم، والتي يأخذونها من مثل هذه المناسك والشعائر، فيجعلون من هذه الفريضة التي أكرمهم الله عز وجل بها، واختصهم بها، ويحسدهم عليها العالم أجمع، يجعلون منها موسمًا سنويًّا يحقق فيهم ما يحتاجون إليه، وما يصبون إليه من اتحاد الكلمة، ومن التآخي في علاقاتهم، ومن تطهرهم وترفعهم عن سفاسف هذه الحياة الدنيا، ومن إعلاء شأن دينهم وتعظيم ما عظَّم الله عز وجل من شعائر وحرمات.