⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا يعود إلى فقه التمذهب بنفسه، ويعني كنت قد قلت بأن الأخلاق بحاجة إلى أن تُقدَّم في صياغة فقهية لا صياغة فلسفية منطقية كما هو حال كثير من الكتابات الموجودة حاليًّا في تراثنا الإسلامي عن الأخلاق، كذا الحال بالنسبة إلى التمذهب؛ فالتمذهب بحاجة إلى فقه وبحاجة إلى أخلاق.
أما هذا الذي يعني اقتبس أخونا المتصل بعض ما كتبه، فهذا من ضلالات الفكر، وهذا من أقوال السفهاء، لا يمكن أن يصدر من علماء راسخين في العلم، فإن صدر فإن هذا من السقطات الكبرى إن كان يُعدُّ من العلماء.
كيف يعني يقول بأن من يطلب دليلًا من كتاب الله عز وجل حينما يُؤتَى بأثر من إمام أو من عالم، فإن هذا الذي يطلب دليلًا من كتاب الله عز وجل يكون من الزنادقة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، والله عز وجل جعل كتابه كتاب هداية ورحمة للناس، وأمر عند التنازع بالاحتكام إليه، وأمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ويعني هذا من ضلالات الفكر التي أُتي منها المسلمون كما قلت في السبب الثاني الذي قدَّمت به الحديث؛ ولذلك تجد أن أمثال هؤلاء المتعصبين – وهناك متعصبون في مختلف المدارس والمذاهب – لكن المشكلة تكمن حينما يتلقَّى العقلاء والعلماء في ذلك المذهب كلام هؤلاء يتلقَّونه بالقبول، لا رضا بما قال – فقد يخالفونهم – وإنما نكايةً فيمَن يختلف عنهم، فيغدو أمر التمذهب سِجالًا لمزيد من العداوات بين المؤمنين، بين المسلمين، فيزيد من الهوَّة السحيقة بين أتباع هذا الدين، ولا منفعة ولا مصلحة من وراء ذلك إلا لأعدائه؛ فيزداد المسلمون ضعفًا إلى ضعفهم.
وإذا كان الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم قد عَلَّق النجاح والفلاح بتقواه، وجعل العاقبة للمتقين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فعلق الفلاح في كل موضع في كتاب الله عز وجل بتقواه واتباع رضوانه والسير على هداه، فكيف يُقْبَل بعد ذلك من أحد أن الفلاح والنجاة في العُقبى إنما تكون باتباع ما يقوله هو، لا باتباع كتاب الله عز وجل ولا باتباع سبل التقوى وفقًا للمذهب الذي ينتسب إليه؟
نحن في حاجة إلى إعادة صياغة فقه التمذهب وأخلاق التمذهب، وأنا على ثقة أن في مذاهب الإسلام اليوم الكثير ممن هم حريصون – من أهل العلم والفكر والرأي والدعاة – على مصالح المسلمين، لكن على العقلاء أن يأخذوا على أيدي السفهاء ولو كانوا – في نظرهم – قد بلغوا من العلم مبلغًا عظيمًا؛ فإن هذا النوع من التعصب والهوى لا يُقبل ممن صدر منه، لأنه باطل وفساد.
كيف – يعني حسب النص الذي استمعنا إليه – يقول: ولو كان ظالمًا فلا يمنع كذلك من مجالسته ومن مخالطته والجلوس إليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، ويخاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أيضًا بالبعد عن الظالمين، ويأتي هذا ويقول إنه لا حرج من مجالسة الظالمين ما دام يلتزم بذلك المذهب، وأما الآخر الذي لا ينتسب إلى مذهبه، ولو بلغ في التقى والصلاح والعبادة والزهد ما بلغ، فإن ذلك كله لا ينفعه لأنه لا ينتسب إلى مذهبه هو.
هذا من ضلالات الفكر، ومن الجهالة والعمى، التي على العقلاء في مختلف المذاهب الإسلامية – وهم بإذن الله تعالى موجودون – أن يردُّوها على صاحبها، وأن يعترضوا عليها، وأن يبيِّنوا عوارها، وأن ينصحوه، لأن ذلك من واجب المسلمين على بعضهم البعض.