مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

العبودية والاستخلاف

كيف تكتمل معاني العبودية لله ومعاني عمارة الأرض في حياة المسلم في ضوء قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، وقوله: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الإنسان لا بد من أن يكون عبداً، عبوديته إما أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى، وإما أن تكون تتنازعها أطراف أخرى. وضرب الله مثلاً بين عبدين: عبد هو خالص لأحد بعينه، وعبد فيه شركاء متشاكسون، فعبد الإنسان إن لم تكن خالصة لله سبحانه تجاذبته أطراف، لأن الإنسان مستهدف من قبل الشيطان، فالشيطان أقسم بعزة الله أنه ليُغوينَّ الإنسان، وقد تبيَّن من خلال ما جاء في القرآن الكريم من قصة خلق الإنسان أن الشيطان هو بالمرصاد لهذا الإنسان، يريد أن يُضلّه وأن يبعده عن نهج الله، وهذه هي مهمته في الحياة – أي مهمة الشيطان. ثم بجانب ذلك الشيطان له وسائل، من جملة هذه الوسائل الشهوات والغرائز التي يُغري بها الإنسان حتى يخرجه عن النهج السوي، فالإنسان إن لم يكن عبداً خالصاً لله سبحانه كانت عبوديته للشيطان، وكانت عبوديته لشهواته ونزواته ورغباته وغرائزه، ومع ذلك أيضاً تكون عبوديته للأخلّاء الذين يصطفيهم فيُضلونه عن النهج السوي. لذلك كان على الإنسان أن يحرص على أن ينال شرف العبودية الخالصة لله تعالى، بحيث تكون عبوديته لله عز وجل لا يشارك الله سبحانه وتعالى فيها أحد. وهذا إنما يتحقق للإنسان إذا أخلص العبادة لله، إذ بإخلاصه العبادة لله تعالى يُخلص عبوديته لله، لأن العبادة إنما هي ضريبة هذه العبودية لله سبحانه وتعالى. وعبادة الله سبحانه لا تعني أن ينقطع الإنسان في مسجده ولا يخرج إلى ساحات الحياة ليشارك المجتمعات وليشارك الأمة وليشارك الجنس البشري في مهمات هذه الحياة، وإنما العبادة تكون خالصة لوجه الله عندما تُطوَّع الحياة كلها لله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه بيَّن ما هو الإسلام عندما قال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 161-163]. فالإنسان إنما يكون عبداً لله سبحانه، عابداً لله، مؤدياً لضريبة هذه العبودية لله، عندما يطوِّع هذه الحياة كلها لأمر الله، بحيث تكون أعماله التي هي قُرُبات خالصة، وأعماله المتعلقة بالدنيا موجهة إلى الله سبحانه وتعالى؛ فكما أن الصلاة لله يكون النسك لله، ويكون المحيا لله، ويكون الممات لله. وهذا لا يعني أن يكون الإنسان غير مشارك للناس في أمور معاشهم، وأن يكون الإنسان بعيداً عن الاستمتاع بمتَع هذه الحياة، وإنما عليه ألا تشغله الوسائل عن الغاية، فمتاع الحياة كلها عندما تُستخدم في الطرق السليمة وعلى حسب النهج الصحيح تؤدي إلى غاية حميدة، تؤدي أولاً إلى شكر الله، واستشعار نعمته، واستشعار عظمته، واستشعار وحدانيته، لأن كل ما بالإنسان من نعمة إنما هي من الله: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. كل نعمة في داخل عمق الإنسان نفسه، أو تحيط بالإنسان من حوله، أو يتصل بها الإنسان في هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف هي من عند الله سبحانه وتعالى، فعندما يستشعر الإنسان أن هذه النعمة من الله، وأنه لو طوَّع نفسه وطوَّع جميع إمكاناته وطاقاته وجميع ما آتاه الله سبحانه وتعالى من أجل شكر أدنى نعمة من نعم الله لما أمكن للإنسان أن يوفِّي شكر هذه النعمة اليسيرة، فكيف بالنِّعَم الجلَّة. وما من نعمة من الله سبحانه وتعالى إلا وهي جلَّة، كل نعم الله سبحانه وتعالى جلَّة، حسب الإنسان ما هيأه الله سبحانه وتعالى له في هذا الوجود، حيث سخَّر له هذا الكون ورتَّبه ترتيباً متناسقاً ولم يجعل فيه نشازاً ولا اضطراباً، كل هذا الكون إنما هو في مصلحة الإنسان: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، و﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. هذه النِّعم من الذي يُحصيها؟ ومن الذي يستطيع أن يؤدي شكرها؟ ليفكِّر الإنسان في النَّفَس الذي يتنفسه، لو لم يكن الله سبحانه وتعالى هيَّأ له هذا المناخ الذي يتنفس فيه كيف يمكن لهذا الإنسان أن يتنفس؟ وكيف يمكن لهذا الإنسان أن يعيش؟ إذن هذه النعم كلها تستوجب شكر الله تعالى وطاعته والإخلاص له والانقياد لحكمه، والإذعان لطاعته، والوقوف عند حدوده. فإذاً الإنسان بحاجة إلى أن تكون عبوديته خالصة لله سبحانه وتعالى، بحيث يُسخِّر حياته كلها لله، ويُسخِّر أيضاً مماته لله، بحيث يموت في سبيل الله وإرضاء الله تعالى، ولا يعني الموت في سبيل الله أنه يلزم أن يموت في المعارك، لا، قد يموت الإنسان على فراشه وهو في سبيل الله، عندما يُضمِر طاعة الله، وينوي أن يؤدي حق الله، وينوي أن يؤدي حق عباد الله، وينوي أن يخدم دين الله، وينوي أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشتى القربات التي تُباعد من هوى نفسه وتجعله عبداً خاضعاً لله سبحانه، كل ذلك مما يؤدي إلى أن تكون عبوديته خالصة لله.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٧‏/٥‏/٢٠١٣👁 2 مشاهدة
🎬

معاني العبودية - للشيخ أحمد الخليلي - ليلة 19 محرم 1434 هـ FULL HD

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

العبودية وعمارة الأرض

4 👁

ذكرتم أن الإنسان خُلق للعبودية وعمارة هذه الأرض، فهل هما شيئان منفصلان أم متداخلان؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

لماذا خلق الله الإنسان

2 👁

لماذا خلق الله الإنسان وماذا يريد الله تعالى منه في هذه الحياة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/١‏/٢٠٢١

وصف العبودية للنبي

3 👁

ما دلالة وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية في قوله تعالى: أسرى بعبده، دون أن يقال برسوله أو بنبيه؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٨‏/٦‏/٢٠١١

معنى إخلاص العبودية

2 👁

ماذا يعني إخلاص العبودية لله عز وجل؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

أثر صفات الله على العبودية

2 👁

كيف تؤثر معرفة صفات الله تعالى والإيمان بها وتنزيه الله عز وجل على العبد ليخلص العبودية لله؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

الاستقرار في الأرض والاحتلال

2 👁

هل يفهم من الآية أن من استقر في أرض معينة وطال مكثه فيها يكون من أهلها وله حق الإقامة فيها، وما الفرق بين ذلك وبين الاحتلال؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٣‏/٢٠٢٥