⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
العبادة تؤدي إلى تقوى الله، وهذا ما نصت عليه نصوص القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. هذه «لعل» وإن اختلف فيها المفسرون على خمسة أقوال، وذهبوا فيها مذاهب شتى، وتناقشوا فيما بينهم، إلا أننا نُريح بقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وقول الكثير من أئمة العربية، وهو أن «لعل» هنا ليست للترجي لأن الله سبحانه وتعالى منزَّه عن ذلك، وإنما هي للتعليل؛ «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» أي لِتَتَّقوا.
وشاهد على ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
وَقُلْتُم لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثَقِ
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كَلَغْوِ سَرَابٍ في المَلا مُتَعلِّقِ
فقوله: «وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثَقِ» دليل على أن «لعل» ليست للترجي فحسب، وإنما هي في مثل هذا الموقف للتعليل، فقول «لعلنا نكف» بمعنى «لنَكُفَّ».
فإذاً تؤدي العبادات إلى التقوى، والله سبحانه وتعالى فصَّل هذا في ذكره للعبادات؛ فقد قال في الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، إلى غير ذلك مما ورد في ذكر خصائص الصلاة، وما تؤدي إليه هذه الصلاة من تزكية النفس، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 19-23].
ومثل ذلك قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 1-5]؛ أصل السياق أن يقول: «فويلٌ لهم»، لكن عُدِل عن ذكر المضمر إلى ذكر المظهر، وكان هذا المظهر: «المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون» لأجل التنبيه على أن السهو عن الصلاة هو الذي أدى إلى هذا كله.
على أي حال هذه هي آثار العبادة، والله تعالى يقول في الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، والزكاة قال فيها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]، والصيام والحج ذُكِرَا مقترنين بالتقوى كثيراً كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
فالتقوى هي التي يجنيها الإنسان من خلال العبادات التي يؤديها، فهي – على أي حال – تؤدي إلى تزكية النفس، لأن الإنسان إنما يتزكى بتقوى الله، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]؛ قد أفلح من زكَّاها بالتقوى، وخاب من دسَّاها بالفجور.
والتقوى بمعنى البر، لأن الفجور يقابله البر، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن التقوى بمعنى البر في قوله: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 189]، وفي قوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
هذا ما يدل على أن التقوى بمعنى البر، فإذاً يفلح الإنسان إن زكَّى نفسه بالبر، ويخيب إن دسَّاها بالفجور.
فالعبادة تؤدي إلى تزكية النفس، ولكن هذه العبادات متى تؤدي إلى تزكية النفس؟ إنما تؤديها إذا أداها الإنسان بإخلاص، والشيطان ما كان يؤديها بإخلاص، إنما كان مُراعياً نفسه، فلذلك أضلَّه الله سبحانه وتعالى وأبعده عن نهج الحق، وتكشَّف ما كان في خفايا نفسه، ومن أول الأمر كان حاسداً لأب البشر، فلذلك خسر خسراناً مبيناً؛ إذاً عدم الإخلاص هو الذي جعله هكذا.