⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصوم جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم» وفي بعض الألفاظ: «فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم».
هذا الحديث يشير إلى أن الصوم من شأنه أن يمنع صاحبه من الوقوع في معصية الله تعالى، وقيل: هو جنة من النار، والمعنيان متلازمان كما بيّن ذلك الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى؛ قال: لأن الامتناع عن المعاصي من شأنه أن يؤدي إلى الامتناع عن دخول النار، فالخطب سهل إن شاء الله تعالى.
هذا يدل على كل حال على أن من صام الصيام الحقيقي المشروع فإنه أجدَر به أن يكف عن معصية الله تعالى، وعن أذى عباد الله عز وجل؛ لأن الإتيان بالمعصية ينافي حقيقة التقوى التي شرع من أجلها الصيام.
وقد أخرج الإمام الربيع رحمه الله تعالى في مسنده من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكفِّ عن محارم الله». فحقيقة الصيام الشرعية إذًا لا تتحقق إلا بالكف عن محارم الله عز وجل، بحيث تُؤدَّى جميع الواجبات ويُكفَّ عن جميع المعاصي، ومن جملة ذلك المعاصي اللسانية.
كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كثيرا من الناس يَكُبُّون في النار على مناخرهم»، فقال له رجل: أوَإنا لمؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ قال: «ثكلتك أمك، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟».
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أيضا يقول: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»؛ فلا يجوز أن يكون المؤمن سبابا في أي وقت من الأوقات، بل إن الله عز وجل حرَّم سب غير المسلمين من آلهتهم التي يزعمون، ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، حتى لا يُتذرَّع بذلك إلى أن يُسب الله عز وجل.
نعم، لو وقع على المسلم أذى بسبٍّ فهو أيضا لا يقابل الإساءة بمثلها؛ جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن من أكبر الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، أَيَشْتُمُ أحدُنا والديه؟ قال: «يَلْعَن أبا الرجل فيَلعن أباه، أو يسب الرجل فيسب أباه ويسب أمه»، فهو يتسبب في ذلك؛ لأنه تسبَّب، لأنه دفع الآخر إلى أن يرد بالمثل، فهذا غير جائز؛ المؤمن ينبغي أن يقابل الإساءة بالإحسان.
قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حينما يبين سلوك الصائم: «وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم» فيه إرشاد لهذا الصائم -كما ذكر أهل العلم- إلى أن يذكِّر نفسه أن مقابلة الإساءة بمثلها تتنافى مع الصيام والكمال الذي ينشده القائم به.
وبعض أهل العلم قال: إن في قول الصائم: "إني صائم" تذكيرا لمن آذاه، لمن شاتمه، أو ارتكب جهلا أو حماقة في حقه، بأن سلوكه هذا يتنافى مع الصيام، ففي ذلك أيضا أمر بمعروف ونهي عن منكر.
والخلاصة: أن الصائم لا يمتنع عن المعاصي فحسب، بل يمتنع أيضا عن كل ما يُخِلُّ بالمروءة ومقدماتها أيضا...