⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا ليس حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن مهما كان فإن المرأة لها تأثير كبير على الرجل، والمرأة إن أحسنت التربية فإنها تُخرج رجالًا نجباء، وتُربّي جيلًا صالحًا له أثر كبير، وكذلك عندما يكون العكس.
ولا ريب إذا استقرأنا التاريخ وجدنا أن تأثير الأمهات أقوى من تأثير الآباء؛ فكثير من الناس لتوجيههن السديد لهم يخرجون عن النهج الذي عليه آباؤهم إلى نهج آخر، نهج يتفق مع الحق ومع الرشد.
ومن أمثلة ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، الرجل الذي أصلح ما أفسده بنو أمية، وبنى الخلافة الراشدة من جديد بعدما تصدعت، وانهد بنيانها، وتلاشت أركانها بفعل بني أمية؛ فإن عمر بن عبد العزيز كان لأمه تأثير كبير عليه؛ فامرأة عمر بن عبد العزيز كانت لأمه تأثير كبير عليه؛ فامه هي بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان لأمها شأن، وذلك أن عمر بن الخطاب كان ـ كعادته ـ يخرج في المدينة المنورة ويستعرض ما يكون من الناس في الليل البهيم من تصرفات قد يكون فيها ريبة، أو قد يَلقى من هو محتاج فيُعينه، أو من هو بحاجة إلى كف مظلمة عنه؛ كان من خلال تجوله في المدينة المنورة يتدبر أحوال الناس.
فبينما كان مارًّا بجوار بيت من البيوت إذ سمع صوت امرأة تُنادي ابنتها في ذلك البيت، وتقول لها: «مِذْقِي اللبن» أي اخلطي اللبن الذي هو الحليب بالماء حتى يَكثر، فقالت لها: إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا، فردَّت عليها: من أين لأمير المؤمنين أن يعلم بفعلك أو بما يصدر عنك في هذا الليل؟ فقالت: إن كان هو لا يعلم فإن الله لا تخفى عليه خافية.
فأُعجب بهذه الفتاة، وسأل عنها: أهي مشغولة أم غير مشغولة؟ أي هل زُوِّجت أو لم تُزوَّج؟ فتبين له أنها لم تتزوج، فأمر ابنَه عاصمًا أن يتزوجها، وقال: «إني لأرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلًا بعد أن تُملأ جورًا»، «إني أرجو أن تلد من يملأ الأرض عدلًا بعد أن تُملأ جورًا»، فتزوجها عاصم، وولدت له فتاة تزوجها عبد العزيز بن مروان ـ أخو عبد الملك بن مروان ـ فولدت له عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
وعمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة فورًا حرص على أن يعيد للخلافة رونقها وصفاءها، وأن يقضي على ما كان من بني أمية من جور وبطش وظلم؛ عاد الحق إلى نصابه، حتى إنه لما وفدت عليه وفود العرب، وكان من جملة الوافدين عبد الله بن هِشام، فلم يرُع عمرَ بن عبد العزيز إلا وعبد الله يخطب من غير أن يستأذنه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
«أما بعد، فإن الله خلق الخلق غنيًّا عن طاعتهم، آمنًا لمعصيتهم، وهم في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل تستباح دونهم لذات الدنيا ورفاهها، حيُّهم أشقى وميتهم في النار، فلما أراد الله إكرامَهم بعث إليهم رسولًا من أنفسهم، عزيزٌ عليه ما عنِتُّم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم»، فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه ولقَّبوه في اسمه، وذكر ما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الخلافة وما سارت عليه، ثم ذكر عمومًا ما تبع ذلك من فساد وظلم، ثم التفت إلى عمر وقال له: «ثم إنك يا عمر ابنَ الدنيا، ولدتك ملوكُها، وأرضعتك ثَديُها، فلما وليتَها ألقيتَها حيث ألقاها الله، وآثرتَ ما عند الله، فالحمد لله الذي جلَّل بك حُجَبَها، وكشف بك كربتها، فامضِ ولا تلتفت، فإنه لا يغني عن الحق شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم».
فعمر بن عبد العزيز كانت أمه تُغذِّيه بسيرة جدِّه العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت تغرس فيه تلكم الخصال الحميدة التي كانت في عمر بن الخطاب، وكيف كان عِدْله، وكيف كان إنصافه للناس، وكيف كان تفانيه في خدمة الناس؛ فانغرسَت هذه المعاني في نفسه، ولذلك حرص على تطبيق هذا النهج الذي كان عليه جدُّه العظيم.
فإذاً هذه الصورة من جملة الأمثلة لتأثير النساء على الرجال، وكثير من الناس عادة تؤثر عليهم الأمهات، وتحولهم من مجرى إلى مجرى، فلذلك كل عظيم إنما تكون وراءه امرأة عظيمة.