مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

استقلالية النبي في التشريع

كيف تنظرون إلى الروايات التي يبدو أنها تشريع زائد على القرآن، وهل مُنح النبي صلى الله عليه وسلم استقلالية في التشريع مع وجود الآيات التي تدل على أنه لا يقول إلا بما يوحى إليه؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فلا ريب أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه محكماً، وأرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمره الله سبحانه وتعالى أن يبين للناس ما في القرآن الكريم: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يبين للناس ما نزل إليهم، ومعنى ذلك أن مبهمات القرآن الكريم ومجمله يوضحها ويفصلها الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. على أنَّا نجد في كتاب الله تعالى ما يدل دلالة واضحة بأن السنة النبوية تشريعها تشريع من عند الله، فإذا جاء التشريع على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك تشريع من عند الله سبحانه وتعالى. وهو واضح في أمر استقبال القبلة الأولى، فإن القبلة الأولى لم يأت نصٌّ قرآنيٌّ يأمر بالتوجه إليها، إنما جاء النص القرآني ناسخاً للأمر باستقبالها، ولكن مع ذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن هذا الاستقبال إنما هو جعل من عنده، حيث قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143]. والجعل هنا جعل تشريعي؛ لأن الجعل الذي يُسنَد إلى الله سبحانه وتعالى إما أن يكون جعلاً تكوينياً، وإما أن يكون جعلاً تشريعياً. فالجعل التكويني كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10-11]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: 142]، إلى آخر ما ذكر من هذا القبيل، هذا كله جعل تكويني. ولكن هناك جعل تشريعي كما في قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103]، فإن ذلك نفي للتشريع، وهذا –أي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾– من الجعل التشريعي، والجعل التشريعي هنا يدل على أن هذا أمر كان بحكم الله سبحانه وتعالى، فهو الذي جعل هذه القبلة قبلة، وكان على المسلمين أن يتجهوا إليها، وذلك لاختبار المسلمين: ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾. ذلك لأن الإسلام أوّل ما جاء إلى العرب، والعرب ألِفوا استقبال البيت الحرام وتعظيمه وتقديسه والمحافظة على حجه، والمحافظة على حرماته، وذلك مما تبقّى عندهم من الحنيفية التي جاء بها إبراهيم عليه السلام، على الرغم من أنهم لوَّثوا هذه الحنيفية بما لوَّثوها به من الوثنية، وظلّ ذلك راسخاً في قلوب العرب. والله سبحانه وتعالى أراد لهذه الأمة أن ترث مواريث النبوّات السابقة، وأن ترث تلكم المقدسات التي كانت في الأمم السابقة، وأراد أن تصل إليها هذه المواريث لا بطريق الجاهلية، وإنما بطريق الوحي، بطريق التشريع؛ فلذلك صُرِفوا أولاً عن استقبال البيت الحرام حتى لا يكون تعظيمهم له من مواريث الجاهلية التي ورثوها، وإنما يكون تعظيمهم له بأمر الله سبحانه وتعالى، فكان هذا اختباراً، هذا بجمع الجمع ما بين الحسنيين للأمة حتى تكون وارثةً لجميع مواريث النبوّات السابقة. فلذلك أُمِروا… ولا ريب أن هؤلاء الذين يعلنون محاربة السنة النبوية لهم بطانة سوء، هم أقوام لهم نوايا سيئة في الأمة الإسلامية، يخططون لتدمير هذه الأمة، ولتدمير الإسلام، ولتدمير شريعة الإسلام، وللحيلولة… هم في الحقيقة هم حرب على القرآن، وهذا مما تبيّن واضحاً جلياً… فإذاً هذا تشريع من عند الله، مع أن هذا التشريع ما كان إلا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان من عند الله. والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، ما يأتي من طريقه كالذي يأتي في القرآن الكريم نصّاً صريحاً، وكذلك يؤخذ بالمخصصات، ومن حيث إن العام ظني الدلالة فإنه يخصص بالأحاديث الآحادية، وهذا الذي جرى عليه عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم. لذلك كان قوله صلى الله عليه وسلم في تحريم أكل كل ذي نابٍ من السباع، وتحريم مقعد من الطير، مخصصاً لعموم هذه الآية الكريمة: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]… وكذلك بالنسبة إلى الرجم لزاني المحصن إنما هو مخصص لعموم قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]… ما الذي خصص عموم هذا الحكم وأخرج الطفل من هذا الحكم العام إلا كون السنة النبوية مخصصة، لأن السنة النبوية دلت على أن الطفل مرفوع عنه القلم حتى يبلغ: «رفع القلم عن ثلاث…». كذلك بالنسبة إلى قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]… ما الذي يخرج الصبي والصبية، وكذلك بالنسبة إلى المجانين، من هذا الحكم إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم… فإذاً النبي صلى الله عليه وسلم يبين بقوله وبعمله وبإقراره، وكل ذلك تشريع من عند الله، وليس تشريعاً من عند النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى بيّن لنا بأنه لا ينطق عن الهوى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 4].
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٢٢‏/٦‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

منهج التعامل مع السنّة ( الحلقة 2 ) الشيخ/ الخليلي

الحديث الشريف

✦ فتاوى مشابهة

استقلال السنة بالتشريع

2 👁

هل يوجد حديث نبوي صحيح ليس له أصل في القرآن الكريم، أم أن كل الأحاديث لها أصل قرآني بحيث يمكن القول إن الرسول لم يستقل بالتشريع وإنما جاء بما في القرآن فقط؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٢‏/٦‏/٢٠١١

استقلال السنة بالتشريع

2 👁

هل السنة النبوية مصدر تشريع مستقل عن القرآن، وهل النبي صلى الله عليه وسلم مشرِّع، وكيف يكون حال الإجماع والقياس؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٦‏/١١‏/٢٠٢١

تحريم الزواج بزوجات النبي

2 👁

ما الحكمة من تحريم الزواج بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين بعد وفاته؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/٥‏/٢٠١٩

خطاب الآيات لنساء النبي

3 👁

هل الآيات التي تخاطب نساء الرسول صلى الله عليه وسلم والأحكام التي فيها تشمل باقي النساء أيضاً، وكيف نوفق بين ذلك وبين خصوصية زوجات النبي؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩‏/١٠‏/٢٠٢٣

خطاب نساء النبي وباقي النساء

3 👁

هل الآيات التي تخاطب نساء الرسول صلى الله عليه وسلم والأحكام الواردة فيها تشمل باقي النساء أيضاً، وكيف نوفق بين ذلك وبين خصوصية زوجات النبي؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩‏/١٠‏/٢٠٢٣

الفرق بين التشريعي والبشري في السنة

2 👁

يرى بعض العلماء التفريق بين ما هو تشريعي وما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من كونه بشراً، فما هو الضابط في التمييز بينهما؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٢‏/٦‏/٢٠١١