⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا السائل يسأل عن مصادر التشريع في الشريعة الإسلامية، فقيل له إنه القرآن والسنة والإجماع والقياس. هل النبي صلى الله عليه وسلم يستقل بالتشريع؟ هل السنة أولا مصدر مستقل بالتشريع؟ فقيل له… إن قيل له نعم، هل النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يشرع من عنده؟ فإن قيل له: إن الله تعالى هو الذي يشرع وليس النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: إذن كيف نعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع؟
هنا عليك أن تفهم شيئا: الأصل في التشريع وفي الحاكمية مطلقا أنها لله سبحانه وتعالى، فلا حكم إلا لله، ولا إله إلا الله، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، الأحكام كلها من عند الله سبحانه وتعالى، فمصدر التشريع الأصلي عليك أن تعلم أنه الله سبحانه وتعالى، الذي ندين له سبحانه بالحاكمية المطلقة، فلا يؤخذ تشريع من سواه سبحانه وتعالى.
لكن تشريع الله تعالى يأتي في صور متعددة، هو التشريع عند الله، لا أحد يشرع سوى الله سبحانه وتعالى، لكن هذا التشريع يأتي في صور متعددة، فقد يأتي في صورة وحي ظاهر مباشر، وهو القرآن الكريم، فالقرآن الكريم ليس تشريعا لمجرد أنه قرآن، وإنما لأنه كلام الله، والمشرع هو الله سبحانه وتعالى. ويأتي في صورة كما يسميه بعض الأصوليين… يقولون: الوحي قسمان: وحي ظاهر ووحي باطن؛ أما الوحي الظاهر فالقرآن… إذن هي صور، أنت عليك أن لا يشكل عليك الأمر، يقولون: «مصادر التشريع» كأن هناك محذوفا: «صورُ مصادر التشريع»، أما المشرع فهو الله سبحانه وتعالى وحده.
ومن هنا فهذا التشريع من عند الله يأتي في صور متعددة:
أولا: قد يأتي في القرآن الكريم، وهو نص كلام الله سبحانه وتعالى من غير أي تغيير ولا تحريف ولا تبديل، بل حفظه الله تعالى، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، هذه الصورة الأولى.
أما الصورة الثانية فهي السنة؛ فالله سبحانه وتعالى أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، لكنه يمارس حياته العامة ويقضي بين الناس بما أراه الله تعالى، وهنا الوحي يأتيه بصور متعددة، فيعبر عنها صلى الله عليه وسلم بلسانه، فسمي هذا «سنة»؛ لأنه عُبِّر عن أمر الله سبحانه وتعالى، عن تشريع الله تعالى، بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم وليس بلفظ الله تعالى كما في القرآن الكريم؛ فهي صورة ثانية: قد يُعبر عن الشرع بلفظ الله مباشرة وهو القرآن، وقد يُعبر عن الشرع بحكم الله، لكنه بصياغة من عند النبي بحكم الله، لكنه بصياغة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الصورة الثانية من مصادر التشريع. فالسنة مصدر من مصادر التشريع، وحي من عند الله سبحانه، قد تأتي بتأكيد حكم الله تعالى في القرآن الكريم، قد تأتي بتشريع مستقل غير مذكور في القرآن الكريم، لكنه من حكم الله سبحانه وتعالى ومن بيانه، لكن جاء في صورة أخرى بغير صورة القرآن الكريم الذي يتعبد الناس بتلاوته في الصلوات بتلاوته بألفاظه وهكذا بأحكام التجويد ونحو ذلك، تلك الصورة لها أحكام، وهذه صورة أخرى ولها أحكام شرعية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينفك يلابس الناس ويقوم بشؤونهم ويصلح أحوالهم…
السائل هنا لم يذكر القياس ولم يذكر الإجماع. القياس والإجماع ليسا مصدرين من مصادر التشريع الأصلية، وإنما هما كاشفان عن الأحكام التي جاءت في الكتاب وفي السنة. أما الإجماع فهو اتفاق مجتهدي الأمة على حكم معين، هذا الاتفاق ليس مُشرِّعا في حقيقته؛ لأن هؤلاء المتفقين لا بد من أن يستندوا لدليل شرعي، علمناه أو لم نعلمه نحن، فإذا اتفاقهم على هذا الحكم يبين أن الله تعالى شرع هذا، وليس هؤلاء هم المشرعين.
في القياس: أن نلحق حكما مجهولا بحكم معلوم… في الواقع العلة بين الشرع في أدلة شرعية متعددة أنه رتب الأحكام على علتها، فالمستنبط والمجتهد لا يعتمد القياس على أنه هو الذي أوجب الأحكام أو هو الذي شرعها، وإنما الشارع هو الله سبحانه وتعالى، لكن عملية القياس هي كاشفة لحكم شرعي أفاده الكتاب العزيز أو أفاده النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا فأنت حينما تلخص القضية: المشرع وحده هو الله سبحانه وتعالى، لكن تشريع الله تعالى يأتي في صورة الوحي الظاهر وهو القرآن الكريم، وقد يأتي في صورة الوحي الباطن وهو السنة، وقد يأتي في عمل المجتهدين الذي يكشف تعليمات الكتاب والسنة، ويكشف أحكامهما، وهما القياس والإجماع. إذن بذلك كله لن تقع بإذن الله تعالى… لن تقع في أي تعارض. القضية واضحة ومتسقة وليس فيها إشكال بإذن الله تعالى، آمل أن أكون وُفقت للوصول إلى ما تريده، والله أعلم.