⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قضيةُ الإجماع قضيةٌ فيها أخذٌ وردٌّ وقيلٌ وقال، وكثيرٌ من هؤلاء الذين يتكئون على الإجماع عندما يريدون أن يعزِّزوا مقالتَهم هم بأنفسهم كثيراً ما يردون الإجماع ويأخذون بخلافه، ويحتجُّون بكلام أحمد بن حنبل الذي قال: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب.
نحن وجدنا هؤلاء كثيراً ما يقولون: ابن تيمية وابن القيم وغيرهم كثيراً، عندما يريدون تبرير شيءٍ يخالف الإجماع يعوِّلون على هذا الأثر المروي، أو هذه المقولة المروية عن أحمد بن حنبل: من ادَّعى الإجماع فهو كاذب. ونجد –كما قلت– أن هؤلاء قد يخالفون الإجماع في مقامٍ يتعزَّز فيه الإجماع بدلائل من الكتاب العزيز وبدلائل أيضاً من العقل.
من أمثلة ذلك: نجد أن ابن تيمية تعقَّب ابنَ حزم في كتابه «مراتب الإجماع» عندما حكى إجماع الأمة على أن العالمَ حادثٌ مخلوق، وأن من قال بقِدَمه فهو كافر، ابن تيمية لم يَرضَه ذلك لأنه يتفق في هذه القضية مع الفلاسفة القائلين بقِدَم العالم، فهو ردَّ قضيةَ حكاية الإجماع، مع أن هذا الإجماع يتعزز بأدلةٍ كثيرة، يتعزز بالقرآن الكريم إذ الله تعالى يقول: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ومهما كان أيُّ شيءٍ في العالم فيصدق عليه أنه شيءٌ، فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ولا يمكن أن يُخصَّص ذلك، لأن تخصيص هذا يقتضي أن يكون من الأشياء ما هو مشاركٌ لله تعالى في القِدَم، ولو جاز أن يكون هنالك ما يشارك الله تعالى في القِدَم للَزِم من ذلك أن يكون مشاركاً لله تعالى أيضاً في الألوهية، إذ ترجيح بعض القُدَماء على بعض باستحقاق بعضهم الألوهية دون بعضٍ معنى ذلك أنه ترجيحٌ بلا مرجِّح، ومن لم يكن له تأثيرٌ في وجوده من قبل غيره فهو أزليٌّ، وهو لا يمكن أن يكون له تأثيرٌ –فيما بعد وجوده– أيضاً من قبل الغير.
فإذاً مع هذا نجد أن ابن تيمية خالف... وفي كثير من القضايا هم يعوِّلون على أن من ادعى الإجماع... فضلاً عن الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ منها حديث عمران بن حصين: «كان اللهُ ولا شيءً معه»، «كان اللهُ ولا شيءً معه»، هذه رواية، وإن كانت هناك روايةٌ أخرى اختارها ابن تيمية وعضدها، دون روايةِ «ما كان اللهُ ولا شيءٌ معه» و«كان اللهُ ولا شيءٌ قبله»، لكن لا يعني هذا بحالٍ من الأحوال أن هذه الرواية مخالِفةٌ لهذه الرواية حتى تُرجَّح روايةٌ على روايةٍ أخرى، لا يمكن هذا؛ إذاً لا تنافي بين كون «كان الله ولا شيء قبله» وكون «كان الله ولا شيء معه»، وروايةٍ أخرى «كان الله ولا شيء غيره»، هذه الروايات كلها متفقة، لا يتعارض بعضها مع بعض.
وكذلك العقل يدل على هذا كما ذكرنا، بأن لو كان هناك ما هو أزليٌّ مع الله تعالى لكان مشاركاً لله تعالى في القِدَم، وإذا شاركه في القِدَم كان حقيقاً بأن يشاركه أيضاً في الألوهية، لأن ألوهيةَ الله تعالى إنما هي بالنسبة إلى الحادث، وبالنسبة إلى الشيء الأزلي... فعلى أي حال لأجل هذا نحن ما أخذنا بما يدَّعون من الإجماع، ثم: في أي شيءٍ إجماع؟ نحن وجدنا –كما قلنا– رواياتٍ في كتب الحديث لا تتفق مع العقل، ولا تتفق مع قداسة الربوبية، ولا تتفق مع نزاهة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، مثل أحاديث اللَّدْد، ومثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أُخبِر، عندما اتُّهِم أحدٌ بأمِّ ولَدِه فأمر بقتله، فهذه أحاديث لا يمكن أن تُقبَل، لأنها تَمَسُّ جانب النبوة، تَمَسُّ جانب طُهر النبي صلى الله عليه وسلم ونزاهته وخُلُقه، وما وصفه الله تعالى به من مكارم الأخلاق، وكونه رحمةً للعالمين، فبكل هذه الاعتبارات هذه الأحاديث لا يمكن أن تُقبَل، فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي فيها جراءةٌ على مقام الربوبية ووصفُ الله تعالى بصفات الخَلْق، من باب أولى أن هذه لا تصح أبداً، وهي تتنافى مع العقل والنقل. نعم.