⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن العرب لم تكن لهم –أيام مبعثه صلى الله عليه وسلم– ثقافة قائمة على العلم، وإنما كانوا يرجعون إلى الفطرة، وكانت فيهم طباع، هذه الطباع أهَّلهم الله سبحانه وتعالى بسببها لأن يقوموا بهذا الحمل العظيم، بهذا العبء الذي ألقاه على عواتقهم؛ كانوا على الفطرة، وكانوا كرامًا، وكانوا شجعانًا، وكانت فيهم النخوة والحمية، وكانت فيهم الأنَفة؛ فهم يترفعون عن كثير من الرذائل، ومن بين ذلك أنهم كانوا يرون أن الكذب وسمَة عار، فهم كانوا يتقون الكذب لا خشية من الله ولا تَعرُّضًا لثوابه ولا اتقاء لعذابه، وإنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم يعتبرونه عارًا عليهم.
فلذلك أنِف أبو سفيان أن يُسجَّل عليه قومه أنه كذب على هرقل عندما كان يسائله عن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لأصحابه: كونوا خلفه، فإن كذبني فكذِّبوه؛ فإنه أخبر عن نفسه بأنه لم يمنعه من الكذب على هرقل خوفٌ من أن يكذِّبه أصحابه، كان واثقًا أنهم لن يكذِّبوه، ولكنه كان يحس من نفسه الشرف، وينزع منزع الأنَفة أن يُسجَّل عليه كذب.
وهذه الصفات انتقلت حتى إلى المتهوِّدين من العرب أو المتعرِّب من اليهود، وهذا ما نجده في كلام السموأل عندما يقول:
أنا ابنُ مَن بعضُهُ يَفوقُ أبا
وإن مالتْ دواعِي الهوى
وأنصتَ السامعُ للقائلِ
لا نجعل الباطلَ حقًّا
ولا نُلْظِ دون الحقِّ بالباطلِ
نخاف أن تُسفَّه أحلامُنا
فنُخملَ الدهرَ مع الخاملِ
فهو لا يخشى أن يعذِّبه الله تعالى لو فعل غير ذلك، ولا يرجو ثوابًا من عند الله، ولكنه مع هذا كله كان يفعل ذلك أنَفةً؛ لئلا يُخمل الدهر مع الخامل، ولئلا يُسفَّه حِلمُه، فلذلك كانوا ينزعون هذا المنزع.
ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى –بما أن العرب كانوا أميين– جعلهم بعيدين عن هذه النبوات، ما كانوا مُستنيرين بهذه النبوات، فهم كانوا قومًا أميين؛ لم توجد فيهم الثقافة، ولم يوجد فيهم التعليم، وكان القِلَّة النادرة منهم من يستطيع أن يكتب أو يقرأ المكتوب، فمعظمهم كانوا على الأمية.
هذا، ومعنى ذلك أنهم كانوا على الحالة التي ولدتهم عليها أمهاتهم؛ فهم أميُّون بهذا الاعتبار، لأنهم لم يُثقَّفوا بثقافات الأمم المجاورة، وهذا ما نجده حتى في بداية العهد الإسلامي عندما اقترح سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يُطوِّقوا المدينة المنورة بخندق يمنعهم من هجم عدوهم عندما غزا المشركون، جاءت الأحزاب إلى المدينة المنورة، فكانت واقعة الأحزاب؛ عندما أرشدهم إلى استعمال الخندق، إلى حفر الخندق، كانت هذه الوسيلة للدفاع وسيلة غريبة بالنسبة إلى العرب –سواء المؤمنون أو المشركون– لأنهم كانوا يجهلون حتى ما يجري عند الأمم المتحضرة كالفرس والروم في ذلك الوقت، فلذلك ما كانوا فاهمين مثل هذه الوسيلة من وسائل الدفاع، وما هي نتيجتها، وما هو أثرها.
فمن هنا ندرك أن العرب إنما جاء الإسلام ليخرجهم من الأمية التي كانوا فيها وعليها إلى أن يكونوا أمة قادرة على استيعاب الحضارات، قادرة على هضم الثقافات، قادرة على استيعاب جميع التطورات التي تكون في هذه الحياة؛ بحيث كانوا قادةً للأمم، دُعاةً إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
وكما قال عمر رضي الله تعالى عنه: نحن قومٌ أعزَّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزَّ في غيره أذلَّنا الله، والعياذ بالله، والعياذ بالله.