⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما في ما يتصل بهذا السؤال فقد سبق أن هناك جهتين للبلاء:
الجهة الأولى هي ما يتصل بذات البلاء، نعم، وهي التي تجيب على سؤالك؛ بمعنى أن البلاء يصيب الناس لحِكَم وأسباب شتَّى ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه، جيد. فمنها التمحيص، منها رفع درجات المؤمنين: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]، ومنها كشف أحوال المنافقين ومرضى القلوب في المجتمعات: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167]، نعم. إذًا هذه أسباب، أو هذه حِكَم من إصابة البلاء للعباد.
لكن كيف يفسِّر المرء ما يصيبه؟ هل له أن يزكِّي نفسه ويقول بأن الذي أصابني هذا لم يكن بخللٍ مني أو تقصير، وإنما كان محض تمحيص من الله تبارك وتعالى، أو أن يزكِّي نفسه فيقول بأن في ذلك أراد لي الله تعالى أن يرفع درجاتي؟ لا، ليس له ذلك؛ عليه أن يتهم نفسه، حتى وإن كان الذي أصابه بتقدير الله سبحانه وتعالى وبإذنه، كما قال جل وعلا، إنما كان لهذه الحكم. فعلى المؤمن الموصُول بالله تبارك وتعالى أن يتهم نفسه دائمًا، وأن يبحث في طواياها عما عسى أن يكون قد أدَّى به إلى ذلك الحال، نعم.
… فلا شك أن أكمل الخلق وأن أقوى الناس صلة بالله تبارك وتعالى هم الأنبياء والمرسلون، ومع ذلك فتأكيد حقيقة أن هذه الحياة لا يمكن أن تخلو من الابتلاءات ومن المصائب إنما كان بإعطاء هذه الأسوة وهذه القدوات فيما أصاب الأنبياء والمرسلين، نعم.
ولا بلاء أصاب أحدًا من البشر أو يصيبهم إلا وقد أصاب الأنبياء والمرسلين ما هو أشد منه وما هو أعظم؛ فقد أصيبوا بأنواع المرض كما أشرتم إلى أيوب عليه السلام، نعم، أصيبوا بالأذى في أنفسهم وبقلة النصير… إلى أن قال: فلا يتصوَّر أحد أن هناك من البلاء الذي يصيب البشر إلا وقد أصاب الأنبياء والمرسلين أعظم منه وأشد من جنسه، نعم.
فهذه حقيقة، أو هذا المعنى هو من اللطائف التي على المكلَّف أن يدركها، وأن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بما شاء. وهنا يأتي: كيف يواجه المكلَّفون هذا البلاء؟ كيف واجه الأنبياء والمرسلون هذا الذي أصابهم؟ نعم. إنما واجهوا ما أصابهم بالصبر على تلك الشدائد، وبالمضيِّ قدمًا في طريق الصبر والتقوى، وبمزيد من الصلة به جل وعلا، وباحتساب كل ذلك عند الله عز وجل، نعم.
وهم أنفسهم لن تجد أن أحدًا منهم إلا ويتهم نفسه، ويسعى إلى أن يكون أكثر شكرًا لله تبارك وتعالى، وأن يكون أقرب إليه، وأن يكون أصبر على ما يصيبه، نعم. فلن تجد أحدًا منهم يزكِّي نفسه ويخبر أتباعه الذين آمنوا به أن الذي أصابه إنما كان رفعًا لدرجات وتمحيصًا…
وهكذا هي عادتهم دائمًا؛ بخلاف الجهَّال والمناوئين للحق الذين يتطيرون ويتشاءمون فيُسندون أسباب البلاءات التي تصيبهم إلى عوامل خارجية من غير ذوات أنفسهم، نعم، مع أن القرآن الكريم يعلِّم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يُسنِد ما يصيبه إلى سبب من عنده، حينما يخاطبه فيقول له: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، نعم، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، على قول جمهور المفسرين بأن الخطاب إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى قول طائفة أخرى فإن الخطاب لكل مكلَّف وداخلٌ فيه الأنبياء والمرسلون، نعم.
… ولذلك فإن ما يصيب عباده من نعم، كما هو الحال فيما يصيبهم من ابتلاءات ومِحَن، إنما هو كله من عند الله تبارك وتعالى، لكن فيما يصيبهم من مِحَن وبلاء فإنهم يُسنِدون ذلك إلى أنفسهم ابتغاءَ ما أعدَّه الله تبارك وتعالى لهم من رفع درجات، وتمحيص مقام، ودَرْء ما هو أعظم بلاءً وأشد ضررًا لو كان ذلك لم يصبهم، نعم.