⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب رحمتك، آمين.
أما بعد، فإن تعريف الوطن معلوم، ولن نزيد المتابعين بيانًا حينما نحاول مرة أخرى أن نعيد تعريف الوطن؛ لأن الوطن هو مفرد الأوطان، والأوطان معلومة، فهي بقعة من الأرض يحيا عليها مجموعة من الناس بينهم من الخصائص والمشتركات ما يجمعهم وفق نظام حياة معين.
هذا المعنى يظن بعض الناس أن لا علاقة له بالأدلة الشرعية، مع أننا حينما ننظر في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي التراث الإسلامي نجد أن هذا المعنى، وكل ما يتصل بمعنى الوطن وحقوق المواطنة، أو ما يعرف اليوم بالمواطنة، هو مما اشتملت عليه هذه الأصول التشريعية.
أما كتاب الله عز وجل فنحن حينما ننظر –على سبيل المثال– إلى دعوات الأنبياء والمرسلين نجد أنهم أُرسلوا إلى أقوامهم في مواطنهم التي كانوا فيها، وكانوا يدعونهم إلى عبادة الله عز وجل وتوحيده، وإلى الصلاح في حياتهم، هذا هو من أدق معاني الوطن والمواطنة.
ولذلك فإن الأنبياء والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يخاطبون أقوامهم بهذا النداء، فكان كل واحد منهم يقول: يا قوم، مما يذكرهم فيه بالمشترك الذي بينه وإياهم، ومما يدفع بهم إلى أن يتقبلوا منه ما يصدر عنه من هدايات، ما أوحاه الله عز وجل إليه وأمره بتبليغه.
وكان يخاطبهم بلسان يفهمونه، بنفس لسانهم، ليس لسان التخاطب بمعنى اللغة فقط، وإنما كل ما نعرفه نحن اليوم من المكونات الثقافية والاجتماعية والنفسية اللازمة لتحقيق البيان لهم؛ ولهذا فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].
ونجد أيضًا أن معنى الوطن معنى لصيق، يكاد يكون لصيقًا بالدين نفسه، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في مواضع عدة ارتباط الدين بالأوطان، فحينما ذكر لنا في كتابه الكريم –فيما شرعه لهذه الأمة من مسوغات المقاتلة– قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، فسوى بين الإخراج من الديار –أي من الأوطان– وبين المقاتلة في الدين: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، ورتب عليها الحكم الشرعي الذي هو: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ عن البر إليهم والقسط إليهم.
ففي هذه التسوية مما يضيف إلى معنى الوطن والمواطنة الشيء الكثير.
وهذا ما نجده في دعوات الأنبياء والمرسلين في أبلغ معانيها؛ فأبو الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام حينما أمره ربه أن يهاجر إلى مكة –وهي واد غير ذي زرع– فإن أول دعاء توجه به إبراهيم إلى ربه سبحانه وتعالى كان: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، فإنه بدأ بالدعاء لأمن الوطن، لأمن الأرض التي هاجر إليها هو وعائلته، هو وأسرته، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، لأن توحيد الله عز وجل وعبادته حق العبادة لا تتحقق إلا في أرض ووطن يسوده الأمن والأمان.
ولهذا أيضًا نجد في كتاب الله عز وجل أن الله تبارك وتعالى حينما يمتن على عباده يمتن عليهم بنعمة الطمأنينة والأمن وسعة الرزق في الأوطان، فيأمر بعد ذلك بعبادته وبشكر نعمه، فالله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]، فطيب الوطن، طيب البلدة، كان سببًا لكي يأمرهم الله سبحانه وتعالى بشكر نعمه وبعبادته.
وهذا أيضًا ما خاطب به أهل مكة حينما قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3-4].
إلا أن الفارق بيننا في تعريفنا للأوطان، وفي تعريف غيرنا من ذوي الثقافات المختلفة المتعددة، أن عامل الدين ظاهر عندنا في تعريفنا للأوطان؛ فلا تستقيم حياة الأوطان، ولا يصح فهمنا لمعنى المواطنة إلا بحضور الدين في هذه المعاني والدلالات.
دليل ذلك أن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: 112] يصف لنا في مطلع هذه الآية من سورة النحل حالة هذه القرية، وأنها تنعم بأمن وأمان وطمأنينة، فهم آمنون على أنفسهم، وعلى أموالهم، وعلى أعراضهم، هم آمنون أمنًا داخليًا نفسيًا؛ لأنه قال جل وعلا: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾، وهم مطمئنون في مجتمعهم، ثم أضاف خصلة أخرى وهي رغد العيش، وكثرة الأموال، وهناء الحياة، فقال: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾، لكن يأتي هنا البعد الإيماني: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فتحولت حالهم من الأمن إلى الخوف، ومن رغد العيش إلى الجوع والنَصَب، وسبب ذلك كفران نعم الله تبارك وتعالى.
وكفران النعم كلمة لها دلالاتها الواسعة العميقة؛ فانعدام العدل هو من كفران النعم، عدم السعي للصلاح ونصرة المظلوم وتحقيق عمارة الأرض بما يرضي الله سبحانه وتعالى، والبعد عن منهجه القويم وعن صراطه المستقيم هي كلها من كفران نعم الله تعالى على العباد، وهي مؤذنة بخراب المجتمعات وضياع الأوطان.
ولذلك كان هذا المعنى الإيماني حاضرًا في تعريفنا للأوطان، وفي فهمنا لحقوق الأوطان علينا وحقوقنا من أوطاننا.