⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن كل ما يجري في هذا الكون يجري بمشيئة الله، وعندما يذكر الله سبحانه وتعالى أمراً منوطاً بمشيئته لا يعني ذلك التشكيك في ذلك الأمر أو عدم وقوع ذلك الأمر.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27]. هذا لا يعني التشكيك في وقوع هذا الأمر، لأن الله سبحانه وتعالى ذكره بصيغة تدل على القسم، اللام موطئة للقسم في قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾.
وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ﴾، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: 6–7]، لا يعني قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء مشيئة الله سبحانه وتعالى في هذا، أي في كون الله سبحانه وتعالى يحمي نبيه صلى الله عليه وسلم ويصونه من نسيان الوحي الذي يوحيه إليه، لا يعني تشكيكاً في ذلك أو أي شيء من هذا القبيل.
وكذلك قول الله سبحانه وتعالى في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] لا يعني التشكيك في خلود هؤلاء في النار، كما أن أيضاً وعد الله سبحانه وتعالى للذين اتقوا بأنهم خالدون: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108] لا يعني ذلك التشكيك. فإذاً ليس هناك شك لا في الوعد ولا في الوعيد، والله تعالى لا تبديل لكلماته، هو الذي قال وهو أصدق القائلين، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64]، وقال: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28–29].
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123].
أما قوله في سورة النساء، قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48، 116] ليس فيه ما يدل على إبطال الوعيد أبداً، ليس ذلك كما يتصورون، إنما هذا النص سيق في موضعين من سورة النساء، وفي كل موضع هو في مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، الدعوة إلى الإيمان ونبذ الكفر والإعراض عن الكفر.
ففي أولهما جاء بعد قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 47–48]. ثم مرة أخرى سيق هذا النص في ما يشبه هذا المساق نفسه، وذلك عندما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 115–116].
فإذاً ما المراد بهذا؟ المراد بأن الشرك لو تاب الإنسان من أي معصية من المعاصي الأخرى لا يغفر، الشرك يبقى كما هو، ولو تاب الإنسان مما قارفه من أعمال سيئة، من زنى أو قتل النفس المحرمة بغير حق، أو إفساد في الأرض، أو أي نوع من أنواع كبائر الإثم، لو تاب منها جميعاً وبقي متلبساً بشركه فإنه لا تُقبل توبته، أما إن تاب من شركه فإن الإسلام يجبُّ ما قبله، ولو فعل في الجاهلية ما فعل قبل أن يسلم، ولو قتل نفساً محرمة بغير حق، ولو أكل مال الناس، ولو زنى؛ نفس توبته من الشرك تجبُّ ما فعله من قبل، ولذلك لا تتعلق تبعة بذمته عندما يتوب، لأن الإسلام يجبُّ ما قبله.
فإذاً لا يؤخذ من هذا دليل على أن ما دون الشرك مغفور بارتكاب وانتهاء. نعم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. ما هو هذا الاجتناب للكبائر التي ننهى عنها؟ كيف يكون هذا الاجتناب الذي يؤدي إلى تكفير السيئات أي الصغائر ما دون الكبائر؟
هذا كما بيّنه الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين"، شرح ذلك شرحاً واسعاً مفيداً، بيّن عندما قال بأن الإنسان عندما يحاول الإقدام على أي معصية من المعاصي فإنه يؤدّي لها عدتها؛ لو أراد أن يشرب الخمر فإنه يحضّر آنية شراب، ويعد عدة الشراب، ويهيئ لذلك. هذه على كل حال أعمال، إن وقع الإنسان في الغاية التي تؤدي إليها هذه الأعمال بحيث شرب الخمر فإنه يكون قد أتى الكبيرة التي لا تكفِّرها إلا التوبة، وكانت هذه المقدمات التي جاءت من قبلها مقدمات شرب الخمر كانت كلها أيضاً كبائر يؤخذ بها، لأنها تحولت إلى كبيرة بوقوع غايتها التي أدت إليها، أما إن تاب قبل ذلك بحيث تداركته عناية الله سبحانه وأقلع خشية من الله عن شرب الخمر فإن تلك تكون سيئات مكفَّرة باجتنابه هذا الأمر الكبير.
وكذلك بالنسبة إلى الزنا، قد يلتقي بالمرأة وينظر إليها، ويقدم بين يدي زناه مقدمات، فإن وقع في الزنا وقع في الكبيرة، أما إن تداركته عناية الله سبحانه وتعالى وخشي الله واتقاه ورجع عما كان مقدماً عليه فإنه في هذه الحالة تكون تلك المقدمات سيئات مكفَّرة باجتنابه الكبير وهو الوقوع في الزنا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدّق ذلك ويكذبه الفرج». فعندما يقع في الزنا بفرجه في هذه الحالة يكون قد صدَّق ما تقدّم من الزنا بعينيه وبيديه وبرجليه، وإن أقلع عن ذلك وتاب إلى الله سبحانه وتعالى وأحسَّ بالخَشْية من الله ففي هذه الحالة تكون تلك سيئات مكفَّرة باجتنابه هذا الكبير.
وكذلك عندما يحاول الإنسان أن يسفك الدم الحرام فإنه يعدُّ العدة لهذا الأمر، يعدّ السلاح، ويترصّد لمن يحاول أن يقتله، فإن أقدم على هذه الجريمة النكراء وقتل، تكون هذه المقدمات التي سبقت جريمته هذه كلها كبائر يؤاخذ بها، ولكن عندما يقلع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى عما حاول الإقدام عليه فإنه في هذه الحالة تكون تلك سيئات مكفَّرة باجتنابه الكبير الذي تؤدي إليه، وهكذا.
ولا ريب أن إهمال الناس للحذر من الوعيد، وعدم مبالاتهم بالوعيد، وإقدامهم على ما يخالف وعيد الله سبحانه وتعالى إنما يعد ذلك فساداً في الأرض، يعد هذا بلا ريب فساداً في الأرض، وقد شاع عند الأمم السابقة الاستخفاف بالوعيد وأدى بهم إلى ما أدى من ارتكاب الكبائر. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ، يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَىٰ، وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169]، هل ذكر الله سبحانه وتعالى هذا في مقام تأييدهم، وفي مقام نصرتهم على ما قالوا؟ لا، وإنما ذكر ذلك في مقام الرد عليهم وإنكار ما قالوا.
وكذلك قول من يقول: إن الله إذا وعد وفى، وإذا توعّد عفا، شبيه بقول أولئك: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. كيف والله تعالى يقول: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28–29]، ويقول الله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: 64]، ويقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9].
ثم القول بأن الله سبحانه وتعالى لا ينفِّذ وعيده، القول بعدم تنفيذه لوعيده بطبيعة الحال هذا مما يتضمن ردَّ كلام الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا * وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 122، 87]. فإن كان الله سبحانه وتعالى عندما توعّد، توعّد وهو لا يريد تنفيذ وعيده، فمعنى ذلك أنه جاء في كلامه الكذب، تعالى الله عن ذلك، وإن توعّد وهو يريد تنفيذ وعيده، ثم بعد ذلك لم ينفذ هذه الإرادة كان ذلك بداءً، والبداء لا يمكن أن يتصف الله سبحانه وتعالى به، البداء إنما يبدو للعباد بجهل، يعني أنه كان يجهل أنه لن ينفِّذ هذا الوعيد ثم بدا له ألا ينفِّذه، تعالى الله عن ذلك كله علوّاً كبيراً.
ولا ريب أن هذه الأمة رُزئت كما رُزئت الأمم السابقة بهذه الفكرة عندما تفشّت فيها، رُزئت وارتكبت كثيراً من المحاذير، انتُهِكت الحرمات، وأُضيعَت الحقوق، وانتشر الظلم، ومُهِّد للظلم بسبب هذه العقيدة. هذه العقيدة رُوِّج لها منذ سقوط الخلافة الراشدة وعدم استمرارها في نظام الحكم في الإسلام، رُوِّج لهذا الفكر من أجل ترسيخ الظلم، ومن أجل إشاعة الظلم، ومن أجل رفع الحرج عن الظلمة، حتى إن الناس الذين حملوا هذا الفكر كان يسوءهم العدل، ولا يريدون من الحكام أن يعدلوا، إنما يريدون منهم أن يجوروا، لأنهم ينتفعون بما يتساقط من موائدهم من فُتات العيش عندما يكونون يسيرون في ركابهم.
فعندما سار عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه سيرة الحق، وردَّ الحق إلى نصابه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وردَّ المظالم، ولجم بني أمية، وكفَّ أيديهم عن البطش في الناس، وكف أيديهم عن تناول أموال الناس، أساء ذلك الذين يحملون هذا الفكر، الذين كانوا يعيشون في ركاب أولئك. ولذلك عندما جاء من بعده يزيد بن عبد الملك، وأراد أن يسير هذه السيرة، جاؤوه برجلين شيخين شهدا شهادة متفقة بأن الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب، شهدوا هذه الشهادة، لماذا هذه الشهادة؟ إنما ذلك لأجل أن ينتفعوا، كان يسوءهم العدل، وهذا مما ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" وفي غيره من كتبه، وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية"، وقد قال ابن تيمية في كتابه المسمى بـ"منهاج السنة" بأن هذه العقيدة التي تفشت في الناس في أوساط الأمة في عهد بني أمية، أي أشاعوا هذه العقيدة، وهذه العقيدة مردودة بنص القرآن الكريم، فضلاً عن الأحاديث الكثيرة.
الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]، فكيف بالذين ظلموا أنفسهم؟ والله سبحانه وتعالى يخاطب داود عليه السلام وهو نبي من أنبيائه، يقول له: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26]، فكيف بمن كان دون الأنبياء؟
ولا ريب أنه هناك مفاسد كثيرة استشرت في هذه الأمة يُندى لها الجبين، ومما يؤسف له أن نجد أن هناك علماء يُنسبون إلى علماء كبار، من الفساد الشيء العجب من الانحراف في السلوك وفي الأخلاق، يُنسبون إليهم جرائم خلقية في تراجمهم؛ فإما أن يكونوا صادقين، وهذه بليّة، وإما أن يكونوا غير صادقين، وهذه أيضاً بليّة، كيف يجترئون على الكذب ونسبة هذه الجرائم إلى أولئك، وفي ذلك ما يجعل هذه الفواحش تشيع في الناس، كيف يكون ذلك؟ كل ذلك إنما هو من جرّاء هذه العقيدة، عقيدة العفو عن أهل الكبائر، وأن من دخل النار وهو موحِّد لن يُخلَّد فيها.
الله سبحانه وتعالى بيّن بأن هذا مما أدى ببني إسرائيل إلى أن يُهملوا الكتاب الذي عندهم، فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ، يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 23–25].
على أن الآيات القرآنية في هذا واضحة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا، وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 89–90]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160]، ويقول سبحانه أيضاً: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [القصص: 84].
فإذاً: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، والله سبحانه وتعالى يبيّن من هو الناجي من العباد في سورة من أقصر سور القرآن، فيها البيان الواضح، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1–3]، يحكم الله تعالى في هذه السورة على جميع الجنس البشري بالخسر ما عدا الذين جمعوا بين هذه الخصال، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، على أنه لم يكف الإيمان وحده، وإنما وجب بجانبه التواصي بالحق والتواصي بالصبر، لأن الإيمان والعمل الصالح إنما يُحرزان بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والله تعالى المستعان.