⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد، فإننا نضرع إلى الله تبارك وتعالى أن يكفَّ بغيَ العداة المعتدين الطاغين الظالمين عن إخواننا في غزة وفلسطين وسائر بلاد المسلمين، وأن يردَّ المحتلين على أدبارهم خائبين خاسرين منهزمين، وأن يكتب الله جل وعلا بمنِّه وفضله وكرمه لهذه الأمة أمرَ خيرٍ ورشاد، وأن يدفع عنها وعن مقدساتهم البغيَ والظلمَ والطغيان، وأن يجعلنا جميعا سببا لنصرة دينه وللقيام بالعدل وبسط الحق ودفع الظلم، إنه تعالى على كل شيء قدير، آمين يا رب العالمين.
وفي مثل هذه الظروف التي تتكالب فيها الخطوب على هذه الأمة ويزداد فيها بطش الطغاة المعتدين فإنه لا شيء يعدل العودة إلى كتاب الله عز وجل، نرجع إليه نستقي منه النور والهدى، ونجد فيه من المبشرات ما يدفعنا إلى الصبر والثبات.
فالله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]، فيأتي الجواب من عند الله تبارك وتعالى في هذه الظروف الحالكة التي تحيط بالمسلمين وتجتمع فيها قوى الكفر والطغيان: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
نعم، وهذا يؤكد ما في كتاب الله عز وجل، ويتأكد بما في كتاب الله عز وجل في موضع آخر حينما يوقظ ربنا جل وعلا في نفوس المؤمنين في ساعات المواجهة أنهم سيُرزَؤون في أنفسهم وفي أبطالهم وفي قادتهم وفي أطفالهم ونسائهم وشيوخهم، وسيزداد بطش الطغاة عليهم، فيأتي أيضا تثبيت الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، للعصابة المتمسكة بالحق التي لا يضرها من خذلها، ليخاطِب ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ يبدأ بنهيه عن الوهن، ثم بعد ذلك ينبههم إلى ضرورة دفع أسباب الحزن التي يمكن أن تتراكم على قلوبهم؛ أن لا يستسلموا للأحزان والآلام، فهو نهي عن الوهن ونهي عن مداومة الحزن أو الاستسلام له، فيقول: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ثم يقول سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 139-141].
فهذا السياق القرآني يبعث في نفوس المؤمنين في مثل هذه اللحظات الحرجة الطمأنينة، ويدفعهم إلى الصبر، ويعينهم على الثبات، ويصوِّب أنظارهم إلى وعد الله تبارك وتعالى لهم، وأن النصر من عنده وحده جل وعلا، وأن الأسباب بيده، مهما اشتدت الظروف وتكالبت الخطوب، وأحلك الظلام فإن بشائر الفجر الصادق قادمة لا محالة بإذن الله تبارك وتعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
نعم، بمثل هذه المواضع من كتاب الله عز وجل يستحضر المؤمن المعاني التي يحتاجها في مثل هذه المواقف، يثبِّت بها قلبه ويثبت بها إخوانه، ويستشرف بها وعد الله تبارك وتعالى له، ويعلم أن من سُنَّة التدافع أن تكون هناك غلواء للباطل، وهذه الغلواء إنما هي إقامة حجة من الله تبارك وتعالى على عباده، وحينما يبلغ الطغيان ذروته فإن ذلك مؤذن بزواله بإذن الله تبارك وتعالى وقوته.
وما كُتب النصر لهذه الأمة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي زمن الخلفاء الراشدين، وفي زمن الفتوحات، وفي زمن المقاومة والجهاد، إلا والظروف التي تحيط بهم هي من أشد الظروف قسوة ومن أكثرها عنتا ومشقة، ومع ذلك فإن عباد الله المؤمنين الصالحين يتمسكون بوعد الله تبارك وتعالى لهم، ويأخذون بأسباب النصر، ينصرون الله تبارك وتعالى فيكتب لهم الله تبارك وتعالى النصر، يحتسبون ما يقدمونه في سبيله.
فربنا جل وعلا يقول – وهو ما أختم به في هذا التذكير – يقول: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ * فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: 157-160].
نعم، هذا والله تعالى أعلم.