⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الذي تشيرون إليه صحيح، فمع ثبات المقاومين المدافعين عن حقهم، المجاهدين لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، الذين يبذلون الغالي والرخيص في سبيل دفع الطغاة المحتلين المعتدين الظالمين، مع صبرهم وثباتهم، إلا أن عدوهم يزداد بطشًا، يزداد بطشًا وعنْفًا وعدوانًا.
ولكن هذا الحال لا ينبغي أن يفتَّ في معنويات المقاومين المجاهدين، ولا في نفوس المسلمين المؤيدين للحق المناصرين للعدالة؛ ذلك أن هذه الحال ليست بجديدة، فقد كشفها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم لعباده المؤمنين وبيَّنها لهم.
فمع صبرهم وثباتهم إلا أن عدوهم يمكن أن يُقابِل بصبر؛ فالله تبارك وتعالى يقول في آخر سورة آل عمران، في آخر آية من سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فيأمر بالصبر، وفي هذه الحالة قد يصبر عدوهم أيضًا، فإذا به يأمرهم بالمصابرة، بالمصاب؛ أي بمصابرة عدوهم بحيث يتغلبون عليه في صبرهم وثباتهم، فلئن زاد هو في الصبر فإننا نزداد ثباتًا وصبرًا ومجاهدةً ودفاعًا عن حقوقنا، ونواصل طريق الجهاد، ولذلك قال: ﴿وَرَابِطُوا﴾، فبدأ بالصبر ثم ثنَّى بالمصابرة.
وهذا يعني أن العدو أيضًا قد يصدر منه ثبات وصبر، وقد ينوِّع في عدوانه، وقد يزداد توحشًا؛ فما عليكم إلا أن تزدادوا صبرًا وثباتًا، وهذا الصبر والثبات لا بد أن يكون مشفوعًا بمواجهة ذلكم الطغيان وبرَدِّ العدوان، وهو الذي عبَّرت عنه الآية الكريمة بالرباط: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، ثم أمرهم بمواصلة تقوى الله تبارك وتعالى.
وقد تقدَّم بيان أهمية الحرص على تقوى الله عز وجل في كل شأن دقيق أو جليل، لا سيما عند مواجهة العدو؛ إذًا هناك صبر وثبات، هناك استفراغ للوسع في الثبات والتمكُّن، والرجاء واليقين في الله تبارك وتعالى أنه سينصر عباده المؤمنين، وهناك في ذات الوقت رباط بمعنى ما تقدم بيانه من المجاهدة والمدافعة، ومن الإثخان في العدو؛ فإن ذلك الإثخان هو الذي يأتي بعد الصبر والثبات ويأتي مع الصبر والثبات.
فهم مأمورون –لما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾– فهم مأمورون بالجهاد والدفاع والمقاومة، ومأمورون بالنكاية والإثخان في العدو، وحينئذٍ فإنهم يستصحبون في كل أحوالهم تقوى الله تبارك وتعالى، لتأتي بعد ذلك الخاتمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فالفلاح الجامع لفلاح الدنيا والآخرة، وللفوز في الدنيا فوزًا مبينًا ونصرًا عزيزًا، ولنيل رضوان الله تبارك وتعالى في الآخرة إنما مرهون بالتحلِّي بهذه الخلال التي بيَّنها القرآن الكريم.
ونجد هذه التهيئة في كتاب ربنا للمؤمنين في أمثال هذه المواقف التي تكشف لهم أن عدوهم يمكن أن يصبر، ويمكن أن يثبت، ويمكن أن يتعامل معهم إلى أقصى غاية؛ نجد هذا المعنى أيضًا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾، فالخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اعملوا على مكانتكم؛ هذه كناية عن غاية التمكن مما هم فيه، وكأنه لا يمكن أن يُزاحَموا في مكانتهم: ﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فهذا فيه إنذار ووعيد لهم.
أن ما تظنونه ثباتًا منكم على مواقفكم وإعراضكم، وعلى ظلمكم وطغيانكم، فإنه لا يحرِّك لنا جفنًا، ولا يمكن أن يُزحزِحَنا عن مواقفنا الثابتة، وعن تمسكنا بالحق، وعن سعينا لرفع الظلم وبسط العدالة ونيل حقوقنا، لا يمكن أن يُزحزِحَنا عن ذلك كله قيد شعرة، ثم يُتهدِّدون: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
إذًا هم مأمورون أيضًا بأن يكون خطابهم خطاب القوي الواثق بنصر الله تبارك وتعالى، المُثخِن في عدوه، الراجي لنصر الله تبارك وتعالى من عنده، الموقن بأنه إما أن يحوز النصر أو الشهادة.
فهذه الحال ليست بحال جديدة، ونحن لو استعرضنا سير الأنبياء والرسل في كتاب الله عز وجل لوجدنا أنها ملأى بمثل هذه التوجيهات التي تكشف أن العدو يمكن أن يثبت، ويمكن أن يصبر، ويمكن أن يظل صامدًا في بَغْيِه وعدوانه، لكن الفئة المؤمنة –كما هو شأن رسل الله تبارك وتعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام– لا يكون منهم إلا مزيد صبر وثبات وتمسك بالحق ودفع للباطل وجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى ورباط في سبيله، فبذلك يُنصَرون.
والله تعالى أعلم.