⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم؛ هذه القضية جعلها ربنا تبارك وتعالى قضية واضحة في كتابه الكريم، فهو جل وعلا يقول: ﴿ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: 4]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ [البقرة: 155]، يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ بصيغة المؤكِّدات: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156].
فالمؤمن ينطلق من يقينه أن من سنن الله تبارك وتعالى في هذه الحياة، ومن حكمته جل وعلا في خلق هذا الإنسان في هذه الحياة: الابتلاء؛ والابتلاء يكون بالفتن والشرور والحروب، وبنقص في الأنفس والأموال والثمرات، كما يكون ببسط النِّعَم والخير والفضل؛ فالله تبارك وتعالى يبتلي عباده بما شاء.
فالمؤمن ينطلق من إيمانه بأن الحياة دار ابتلاء، وأنه عنها منقول؛ لأنه راجع إلى الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
ثم ينطلق من إيمانه أن التدافع بين الحق والباطل، والخير والشر، من سنن الله تبارك وتعالى في هذا الكون؛ ولذلك –في سياق تنبيه المؤمنين واستنهاض هممهم ودعوتهم إلى النكاية والإسخان في عدوِّهم– يأتي تذكيرهم بهذه الحقيقة، فيقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 139-140]، ثم يؤكِّد الحكمة من وراء ذلك، يكشف الحكمة من وراء ذلك: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]، هذا اتخاذ من الله، اصطفاء، اجتباء من الله تبارك وتعالى لمن اختاره ليكون شهيدًا في سبيل مناصرة الحق والدين وتطهير مقدسات المسلمين في الأرض المباركة المقدَّسة من دنس ورجس اليهود الغاصبين المحتلِّين.
إذًا المسلم ينطلق من هذه الحقائق الإيمانية الراسخة، ولكن مع ذلك فإنه يعلم أن الله تعالى معه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، ويقول: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35].
وإلا فكيف يمكن أن يُفسَّر أن يكون القضاء على هذا العتاد العسكري الهائل الذي كلَّف ملايين الدولارات، أن يكون بعددٍ بسيطٍ يسيرٍ مما أن المقاومين المجاهدين –وهم في أحلك الظروف– قاموا بصناعته أو بتطويره، ولكنهم مع ذلك يتمكَّنون من الإثخان والنكاية في تلك الآلة الحربية المدمِّرة، والتي فيها آخر ما وصلت إليه التقنية في صناعة الأسلحة المدمِّرة، ويتمكَّن أفرادٌ قلائل من القضاء على هذا العتاد العسكري الهائل الذي كان يشكِّل رعبًا للآخرين، حتى إن العالم اليوم يدرس: كيف أمكن القضاء على هذه الآليات؟ كيف أمكن القضاء على هذا العتاد؟ فالمؤمن يرى بنور الله تبارك وتعالى، يرى أن ذلك من تأييد الله عز وجل ونصره لعباده المؤمنين.
كيف نتصور أنه في الأيام الأولى سعى الصهاينة إلى تشويه صورة المقاومين، وبثُّوا صورًا مزيفة، ونشروا الأكاذيب في العالم كله عبر وسائل الإعلام التي يملكونها، وما هي إلا أيامٌ قلائل حتى تتكشف الحقائق، ويظهر الكذب على ألسنة العدوِّ أنفسهم؛ على ألسنة بعض من حُرِّروا من الأسر –على سبيل المثال– أو بعض من كان ينتسب إلى الجيش، فكشف كثيرًا من الحقائق، أو عن طريق بعض عقلاء العالم، وإذا بأصوات الملايين من البشر تتنادى لإدانة هذه الجرائم البشعة التي يرتكبها الصهاينة المعتدون المحتلُّون، والمطالبة بنصرة أهل القضيَّة العادلة: أهل فلسطين، أهل غزَّة؛ كيف يمكن أن يتصوَّر عاقلٌ أن هذا إنما هو بدون توفيق الله عز وجل، أو أنه بعيد عن معية الله تبارك وتعالى لأهل الحق؟
ولكن ينبغي للمسلم أن يتذكَّر أن القتال كُرْهٌ، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]، لكن لله عز وجل في سنَّته الماضية في التدافع بين الحق والباطل حكمة، يكشف لنا بعض جوانبها في قوله تبارك وتعالى –في بدر–: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8].
إذًا ساق الله تبارك وتعالى تلك الفئة المؤمنة، وكان ثقيلاً، وكانوا يودُّون لو أن غير ذات الشوكة هي التي يتحصَّلون بها على حقوقهم السليبة، ولكن كانت حكمة الله تبارك وتعالى تقتضي أمرًا آخر: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
بين قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 1-2]، وبين نزول قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]، ما لا يزيد على عشرين عامًا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائمًا ما كان يقول لأصحابه: «ولكنكم تستعجلون».
هذا الذي سمَّاه ربنا تبارك وتعالى في سورة التوبة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾؛ اختصَّ الله تبارك وتعالى لنفسه بنصر نبيِّه في ذلك الموقف؛ كيف كانت هذه النُّصرة؟ كانت بتنجية كيد المشركين من إخراجه صلى الله عليه وآله وسلم من مكة –أحبِّ البلاد إليه– إلى المدينة المنورة، والله تبارك وتعالى يجعل هذا الحدث بالتنجية؛ لما يُنشِئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دولته بعد، ولما يتمكَّن من مواجهة القبائل والوفود، ولما يصل إلى أمر فتح مكة بعد، هو في مطلع –أي في أول هذه الدعوة– يذكِّرهم بذلك الحدث، وينسبه ربنا تبارك وتعالى لنفسه، فيقول: إن لم تنصروه فإن الله عز وجل هو المتكفِّل بنصره: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فالمؤمن ينطلق من هذه الحقائق الإيمانية القرآنية، ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويوقن أنه إن نصر ربَّه تبارك وتعالى فإن الله ناصره؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ثم يبيِّن مَن هؤلاء الذين ينصرونه جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
إذًا المسلم يحتاج إلى أن يفهم معنى المشيئة الإلهية، ومعنى أيضًا النصر.