مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حكم نهب المال العام

ما حكم ما يحدث في بعض المجتمعات من اعتبار المال العام غنيمة سهلة ونهبه عبر المشاريع والمناقصات وما آثار ذلك شرعاً ومجتمعياً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن بلوغ أي مجتمع من المجتمعات مثل هذه الحالة التي يصفها هذا السؤال مؤذن بتداعيه وزواله وانهياره، هذا باختصار شديد وجواب مباشر على حالة مجتمع يفشو فيه إهدار المال العام، وتغيب فيه نظم حفظ مصالح الناس، وتنتشر فيه وسائل التعدي والتعسف على الأموال العامة. لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن عاقبة ذلك في محكم كتابه حينما قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً * يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: 112]، هذه هي الحالة التي عليها هذا المجتمع، هذه القرية: حالة من الاستقرار النفسي والأمن الفردي والمجتمعي على الأنفس والأعراض والأموال، وحالة من رغد العيش حيث يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان. فوصف الله عز وجل ما قام به أهل هذه القرية فقال: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ فكانت النتيجة: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فكفر نعم الله عز وجل يكون بتبديد ثروات هذا المجتمع، وبإهدار الأموال العامة فيه، وبالتعدي على حقوق الآخرين، وبأن يعد أفراد المجتمع الأموال العامة غنائم باردة يقتطعون منها ما يشاؤون ويفعلون فيها ما يريدون، لا يُسألون عمّا يفعلون وهم يُسألون. فتكون عاقبة ذلك أن تتداعى هذه الأمة على نفسها، ولذلك فإن من روَّف في تاريخ الأمم والشعوب والحضارات أن انهيار أي أمة وتداعي أي حضارة إنما يكون من نفسها، يكون حينما تُفَرِّط في حفظ ثرواتها ومواردها الطبيعية، وحينما يكون المال العام نهبة لكل من أراد أن يستبد، ولكل من أراد أن يسعى في الأرض بالفساد. ولهذا نجد أيضًا في قول الله تبارك وتعالى واصفًا هذه الحالة التي يشير إليها السؤال، يقول سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي المنعَّمين الذين ينفقون بترف، والترَف – والحكم الشرعي إذا عُلِّق بمشتق، و«مُتْرَفِيها» هنا من المشتقات – إذًا بعلته؛ فدلَّ على أن العلة وراء ما أصاب هؤلاء إنما هو الترف الذي بلغوا إليه، وهو الإسراف والتبذير وعدم الاقتصار على ما يحتاج إليه المجتمع، وإنما التعدي والتعسف في استعمال الحقوق، والتبذير والإسراف وتبديد الثروات ونهبها. فكانت النتيجة أن الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وهذا المعنى أيضًا نجده في طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك الحديث الشهير الذي قال فيه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». وهذه السرقة يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، فسواء كانت سرقة من مال عام أو سرقة من مال خاص. وقد تبين في الحلقة الماضية أن الاعتداء على المال العام أشد حرمة من الاعتداء على المال الخاص، لأن الأموال العامة يتعدد الشركاء فيها، فإذا ما اعتدى أحد على أموال عامة فإنه كَثُرَ بذلك خصومُه يوم القيامة، وكان سببًا لتبديد ثروات كان يُفترض بعموم الناس أن ينتفعوا منها، ولذلك فإن حرمة التعدي على الأموال العامة أشد. ولهذا كانت النتيجة في مثل هذه الحالة الانهيار المباشر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هلك الذين كانوا من قبلكم – أو أهلك الذين من قبلكم – أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». فحينما يحتال الناس في النهب من المال العام، فيغدو ظاهرةً عامةً تفشو في المجتمع، فتغلب هذه الحالة على حالة الحرص على حفظ المال العام وإيصاله إلى من يستحقونه من أبناء المجتمع وتحقيق الصلاح والمنافع بسببه، حينما تفشو تلكم الحالة فإن هذا الوضع لا ريب مؤذن بفساد هذا المجتمع، وبتداولات على المال العام – هو خيانة – والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا إيمان لمن لا أمانة له». وهذا يعني يؤدي إلى غياب القيم والأخلاق من المجتمع، فهَدْر المال العام والتعدي عليه يؤدي إلى فشو أنواع من القيم والأخلاق لا يرتضيها هذا الدين الحنيف، من الرشوة وتضييع الأمانة، ومن السرقة والنهب والاختلاس والاحتيال والكذب والرشا، وهذه كلها مما تُسخِط الله سبحانه وتعالى. وهذا يؤدي أيضًا إلى فساد في العمل نفسه، فلا يكون هناك إتقان للعمل، وتنتشر المحسوبية والمجاملات، وتغيب العدالة في صميم الأعمال التي يُفترض أن تقدم لأبناء المجتمع مصالح ومنافع وخدمات. ثم إن ذلك أيضًا يؤثر على عموم أحوال المجتمع، بمعنى سوف يصل الحال إلى فساد عام في كل مظاهر الحياة في المجتمع، ليس في جانبها المالي ولا الخلقي فقط، وإنما في جوانبها الاقتصادية والسياسية والفكرية، لأن المعايير الحقة التي ترضي الله سبحانه وتعالى – وقد جعلها لمصلحة العباد في دنياهم وفي آخرتهم – سوف تختفي من هذا المجتمع، فينتشر فيه الفساد، وكما وُصِف من أحوال المحسوبية والرِّشى والكذب والخيانة وطرق الاحتيال والغش وغيرها. ثم إن أثر ذلك أيضًا يرجع على الأفراد، لأن الفرد عندها – كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – لن يكون صحيح الإيمان كامله: «لا إيمان لمن لا أمانة له»، ويقول أيضًا صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث»، وذكر منها: «وإذا اؤتمن خان». هذه هي الحالة التي سوف يمسي عليها المجتمع إن انتشر فيه التعدي على الأموال العامة وهدرها ونهبها.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٣٠‏/٤‏/٢٠١٢👁 2 مشاهدة
🎬

المال العام .. مسؤولية وأمانة (2/2) للشيخ كهلان الخروصي

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

استثمار المال العام لمصلحة شخصية

5 👁

ما حكم من استثمر المال العام في تنمية مشاريع شخصية ثم قام بعد ذلك بتسديد المبلغ إلى الجهة المعنية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/٤‏/٢٠١٢

التخلص من المال العام

2 👁

كيف يتنصل من أخذ مال عام يسير ويرد الحق إلى أهله إذا تعذر معرفة الجهة أو نفع الخزينة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

التخلص من المال العام المأخوذ

3 👁

كيف يتنصل ويتخلص من أخذ المال العام إذا كان قد أخذ منه مالاً يسيراً ولا يعرف طريقة إرجاعه لأصحابه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٠‏/٤‏/٢٠١٦

اختلاس حسابات التبرع

3 👁

ما حكم التبرع لحسابات بنكية لأعمال الخير يتبين لاحقاً أنها حسابات مختلسة وتستخدم في غير ما يرضي الله؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٧‏/٢٠١٤

حدود استخدام المال العام

0 👁

ما حدود استخدام المال العام بحيث لا يأثم المرء باستخدامه، وهل هناك ضوابط معينة لذلك؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٣‏/٤‏/٢٠١٢

عقوبات دنيوية لاعتداء المال

2 👁

إذا كانت هناك عقوبات أخروية مخيفة لمن يعتدي على المال العام، فما هي الإجراءات والعقوبات التي يأمر بها الإسلام في الدنيا لحماية المال العام؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٣‏/٤‏/٢٠١٢