⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الدين في الحقيقة هو استجابة من الإنسان لنداء الفطرة الذي يجلجل في أعماقه، ويتردد صداه في العالم كله؛ فإن الإنسان بطبعه يحس بأنه يعيش في فراغ روحي وخواء فكري إن لم يكن يتمسك بالدين، ويتصل بالغيب من خلال التعبد لعالم الغيب والشهادة الذي أوجد هذه الكائنات وخلقها.
وإن كان الناس تفاوتوا في الوصول إلى الحقيقة؛ لأن منهم من رأى أنه لا يمكنه أن يتصل بعالم الغيب والشهادة إلا من خلال وسائط يجعلها بينهم وبينه، وهذه فكرة من اتخذ مع الله آلهة أخرى.
وهناك من جعل أمر التصريف لهذا الكون، والتدبير له، بل وأمر خلقه وإيجاده، يعود إلى الطبيعة، فكأنما جعل الطبيعة هي عالم الغيب والشهادة، وهذه أيضًا فكرة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، ويدرك الإنسان من أول وهلة، وبأدنى تفكير، أن الطبيعة العمياء الميتة لا يمكن أن تهب الحياة، ولا يمكن أن تنظّم الأمور، ولا يمكن أن تبوِّئ كل شيءٍ مَبْوَأَه.
أما الذين وُفِّقوا فهم الذين آمنوا بأن عالم الغيب والشهادة قريب، قريب من كل سامع، يجيب دعوته، ويفرّج كربته، ويدفع ضرره، ويأتيه بسروره، فلم يتخذوا بينهم وبين الله تعالى وسائط؛ لأن الله سبحانه وتعالى قريب.
ومع هذا الاختلاف في تصور الدين وحقيقة الدين فإن الضرورة التي يحس بها الإنسان إلى التدين، تدفع الإنسان إلى أن يتخذ لنفسه دينًا، سواء كان في اتخاذه إياه على صواب أو كان على خطأ.
ومن حيث إن أمر الدين ليس هو من الأمور التي يمكن للإنسان أن يحدد مسلكها بتجربته ولا بعقله القاصر المحدود، فإن الله سبحانه وتعالى لم يَكِلْ هذا الدين إلى هذه العقول القاصرة المحدودة، ولم يكل أمره أيضًا إلى تجارب الإنسان؛ لأن التجارب إنما تكون في الجانب المادي، لا تكون في هذا الجانب المعقد، الجانب الغامض الذي لا يعلم حقيقته حق العلم إلا من هو بكل شيء خبير، وبكل شيء بصير، وعلى كل شيء قدير، فهو الذي يحدد الدين، هو الذي يشرعه، وهو الذي يأمر بالتمسك به، ويشرع للناس جزئياته كما يشرع لهم كلياته، فإذا أمرُ الدين إنما هو إلى الله.
ولكن مهما كان، فإن الإنسان مهما تقلّب في ظروف شتى، ومهما تدافعت به بيئاتٌ متنوعة، وأحوالٌ مختلفة، وأزمنةٌ متطورة، فإنه يبقى بحاجة إلى الدين؛ فالدين مهما كانت الظروف، ومهما كانت الملابسات، مكانه مكان القلب من القالب، ومكان السوار من العين، ومكان السويداء من القلب، ومكان الروح من الجسم؛ فهو مكانه مكان الحياة في هذا العالم المادي.
نعم.