⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الدين هو صلة بين العباد وربهم، وهو رابطة بين العباد أنفسهم، كما أنه يربط بين العبد المتدين وبين نظام الكون كله.
من الجانب الأول، وهو كونه صلة بين العباد وربهم، نفهم أن الدين يجب أن يكون مرضيًا لله تعالى، والله يرضى من عباده الخير، ولا يرضى من عباده الشر، والله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. من خلال ذلك نفهم أن الدين إنما هو ما كان في مصلحة العباد.
على أن الدين كما قلت هو رابطة بين العباد؛ فالإنسان ينظر من جانب الدين إلى أخيه الإنسان أنه مشارك له في الأصل؛ لأنه خرج من نفس المخرج الذي خرج منه، ونبت في نفس المنبت الذي نبت فيه، فهو ينحدر من نفس الأبوين الذين ينحدر منهما كل إنسان، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، فلا معنى لعدوان الإنسان على الإنسان.
فأما أن يكون أخًا له في العقيدة، وبطبيعة الحال العقيدة رابطة بين أبنائها، ومن خلال هذه الرابطة يجب على كل أحد أن يرعى حق الآخر؛ لأنها رابطة مقدسة، وأما أن يكون أخًا له في الإنسانية، وأخوة الإنسانية أيضًا يجب أن تُراعى.
ثم إن هذا الدين أيضًا يصل الإنسان بكل شيء في الكون؛ إذ الله تعالى: له أسلم من في السماوات ومن في الأرض، وكل شيء يسبح بحمده، وكل شيء يسجد لجلاله؛ فهذا الدين رابطة ما بين الإنسان وما بين الكائنات كلها. ولذلك نرى أن الذين يدينون حقًّا بدين الله تعالى لا يشعرون إلا بانسجام مع نظام الوجود، لا يشعرون بوحشة من الكون، ولا يشعرون بعداء لأي موجود كان؛ لأنهم يشعرون أن الكائنات كلها تشاركهم تسبيح الله تعالى وتحميده، تشاركهم السجود لجلاله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلَكِن لَّا تَفقَهُونَ تَسبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18].
ولذلك من خلال هذا الانسجام لا تصدر منهم الكلمات التي تدل على العداء للكائنات، فلا يصدر من شخص متدين بدين الله تعالى الحق ما هو دال على عداء أي شيء من الكائنات، كقولهم: قهر الطبيعة، وقولهم: قست عليه الطبيعة، وغزى الفضاء، وأمثال هذه الكلمات؛ لأن هذه الكلمات كأنما توحي بعداوة ما بين الإنسان والطبيعة، وما بين الإنسان والفضاء، فلذلك هم يحرصون على أن يقولوا الكلمات التي تدل على الانسجام، كما يوحي بذلك كتاب الله تعالى.
نعم.