⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الدين هو من دان يدين، بمعنى أطاع وانقاد، فالدين هو الانقياد المطلق لله سبحانه وتعالى في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، لا فرق بين العقيدة وبين العمل والأخلاق، كلُّ ما هو مأمورٌ به يجب أن يُلتزَم، وكل ما هو منهيٌّ عنه يجب أن يُترَك، وهذا هو الإيمان.
فإن الله سبحانه وتعالى بيَّن المؤمنين في كتابه الكريم في آيات كثيرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: 2-3]، ثم حصر الإيمان مرة أخرى في هؤلاء عندما قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4]، حصر الإيمان في هذا الصنف أولاً عندما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾، ثم أكَّد الحصر بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾.
ويقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 1-11]، حصر إرث الفردوس في هذا الصنف من الناس بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما.
والله تعالى أيضاً بيَّن مَن هم المؤمنون في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111]، ثم أتبع ذلك بيان صفة المؤمنين فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 112].
ذكر تسع خصال، أول خصلة: التائبون، ومعنى ذلك أن هؤلاء سرعان ما يتوبون عندما يتورطون أيَّ ورطة، أو يخطئون أيَّ خطأ، أو يقعون في أي هفوة، يعودون إلى الله تعالى ويتوبون إليه، ولا يُصرُّون على المعصية، بل يتوبون سراعاً إلى التوبة أوَّابون، ثم اختتم هذه الصفات بقوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، حسبكم هذان الوصفان لو لم يُوصَفوا إلا بهذين الوصفين لكانا كافيين: التائبون والحافظون لحدود الله؛ التائبون هم الذين يتسارعون إلى التوبة عندما يقعون في أي معصية، والحافظون لحدود الله يحفظون حدود الله، فلا يتجرؤون على شيء من محارمه، لا يرتكبون شيئاً من نواهيه، ولا يتركون شيئاً من فرائضه، فضلاً عن بقية: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله.
فإذاً هؤلاء هم المؤمنون حقاً، وهذا هو الدين؛ الدين لو كان في القلب صحيحاً لصدَّقه العمل، إذ الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، لا يمكن إلا أن تتجاوب جوارحُ الإنسان مع إيمانه، تتجاوب جميعُ جوارحه مع إيمانه الذي في قلبه.