⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو لا بد من استشعار مراقبة الله تعالى للعبد أولًا، ثم لابد من الإيقان –كما قدَّمت– أن هذه المقتنيات وما يتملكه الإنسان إنما هو عَرَضٌ زائل، وهو لن يُخلَّد في هذه الحياة الدنيا، سوف يُنقَل عنها إلى الآخرة، وينبغي أن يكون لهذا الإيقان ولهذا الشعور أثرٌ في واقع حياته، وهذا الأثر هو الذي يسوقه إلى أن يتصرف وفقًا لما يرضي ربَّه تبارك وتعالى.
والله عز وجل قد نهاه عن أن يأكل حرامًا، أو أن يأتي شيئًا من الخبائث، وبالتالي فهو يُلزِمُ نفسَه ألا يكون مستهلكًا لشيء من هذه المحرمات أو الخبائث التي حرَّمها الله عز وجل.
نعم، وهذا أيضًا يندرج فيما أشرنا إليه من كون سوق المسلمين ينبغي أن تكون نزيهة من المحرمات ومن الخبائث التي تضر الناس وتؤذيهم، ومع ذلك فهناك مراقبة ذاتية، وهناك عِلم لدى المسلم ينبغي أن يتكوَّن، يقوده إلى أن يبتعد تمامًا عن المحرمات وعن الخبائث، وأن يكون بعيدًا عن الإسراف والتبذير.
فعليه أن يحمي نفسَه مما تتطلع إليه من كثير من جَمْع المال، وأن يتذكَّر أن لغيره أيضًا حقوقًا فيما آتاه الله تبارك وتعالى، وهذا ما نجده في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
إذًا فيما آتاه الله العبدَ من مال ومن نعمةٍ حقوقٌ لغيره عليه، وهذه الحقوق ليست هي حقوق الزكاة فقط –كما دلَّت آية البر هذه– بل هي حقوق أُخرى، ورسولنا صلى الله عليه وسلم حينما قال: «المسلم أخو المسلم»، وحينما قال: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، فإنه نصَّ أيضًا على أنواع من أنواع البر التي ينبغي أن يبادر إليها المسلم نحو إخوانه المؤمنين.
فذكر صلى الله عليه وسلم أنواعًا مما يعني من أنواع الطعام الذي ينبغي أن يهديه إلى جيرانه، ذكر تلبية حاجة ابن السبيل والسائلين، ذكر وجوب مبادرة المسلم إلى إسعاف ذوي الحاجة في مجتمعه بأدلة شرعية كثيرة.
ولذلك فإنه حينما يتصور الفرد التصور الصحيح لهذه المعاني لا شك سوف يتخلَّص من كثير من إغراءات النفس للجمع وللاستهلاك، وبالتالي فإنه يحمي نفسه من نفسه، هذه هي الحماية الأولى التي ينبغي، وهذه لا تحتاج إلى إلزام من الخارج، هذه ينبغي أن تكون ثقافةً ووعيًا ودرايةً عند كل فرد من أفراد المسلمين، لأنه يعلم أنه مسؤول عن ماله: من أين أخذه، وفيما أنفقه، ويعلم أن في هذا المال حقًّا أو حقوقًا لأصنافٍ من الناس في مجتمعه، وعليه أن يسعى إلى تحقيق هذه المصالح لمجتمعه، لأنه يعبد ربَّه بذلك.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: «لا تحقرنَّ أحدكنَّ من المعروف شيئًا ولو يسيرًا»، وفي رواية: «ولو فِرْسِنَ شاةٍ».
ففي هذا ما يؤكد على أن على المسلم أن يتخلص بنفسه من أن تطغى عليه ثقافة الاستهلاك، وهي لا شك ثقافة دخيلة تُصوِّر أن الحياة إنما هي استهلاك ومتعة بالاقتناء، وبمزيد من الأخذ من متاع هذه الحياة الدنيا، وكأن هذه الحياة إنما هي نهاية مرحلة حياة الإنسان، بينما هي –في نظر المسلم– إنما هي دار عمل وكسب، ينتقل منها بعد ذلك إلى الحياة الآخرة التي سوف يُحاسَب فيها على ما كسب وعمل في هذه الحياة الدنيا.
والله أعلم.