⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يتجلى في كل موجود وجوده، ويشرق على كل مشهود شهوده، سبحانه تجلت آياته في الأنفس وفي الآفاق، وهو تعالى على كل شيء قدير وبكل شيء خبير، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله بالحجة القاطعة، والمعجزة الساطعة، والدعوة الجامعة، فكان نبراسًا للعالمين، وهدًى ورحمةً للمؤمنين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فلا ريب أن الله سبحانه وتعالى لا يخفى على ذي عقل، فإن الكائنات بأسرها تعرب بلسان حالها عن افتقارها إليه، إذ ما من كائن في هذا الوجود إلا وهو كلمة من كلمات الله التي تدل عليه، كما يقول أحد علمائنا: إن كل ذرة من ذرات الوجود هي كلمة من كلمات الله، دالة على وجوده، فإن تركيب هذه الذرة تركيب معقّد، تركيب عجيب، تركيب لو رُدّ إلى الصدفة فحسب لما كان هنالك أي مقدار من الاحتمال لأن توجد هذه الذرة بطريقة الصدفة، حتى في المليارات من الأرقام لا يوجد بمقدار الواحد منها احتمال لأن توجد بطريقة صدفة، فما بالك بهذا الكون المترامي الأطراف المنتظم المتناسق المتوحد، الذي يشكل في مجموعه وحدةً متكاملةً، ويتكامل من حيث إن كل جزء منه مكمل لبقية الأجزاء.
كيف يمكن لهذا الكون أن يخرج من العدم إلى الوجود بدون أن يكون هنالك موجد أوجد هذا الكون؟ وكيف يمكن لهذا الكون أن ينتظم ويتناسق، وتتجاوب أجزاؤه، وتتناسق جوانبه حتى يكون بهذا الشكل، لو كان خارجًا عن غيره من أحد؟ إن هذا الكون كون يمثل إرادةً، إرادةً من قويٍّ قاهرٍ مَصْرِفٍ الوجودَ بحسب ما يريد، لا رادّ لحكمه ولا معقّب لقضائه.
وحسب المرء أن ينظر إلى نفسه؛ كان الإنسان عدمًا، فجاء بعون الله تعالى وخرج من هذا العدم إلى الوجود، وتجلى في عالم الشهود؛ من الذي أخرجه؟ هل هذا الإنسان وهو في عالم الموات خلق نفسه، وصوّر نفسه، وكون نفسه، وأعطى نفسه هذه المنح الطبيعية التي فيه، وأكسب نفسه هذه المواهب الفطرية التي يتمتع بها؟ من الذي أعطاه نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة الذوق، ونعمة الشم، ونعمة اللمس، وسائر النعم والمشاعر الباطنة والظاهرة؟ هل بنفسه استطاع ذلك؟
على أن الناس متفاوتون في كل شيء، ومن خلال هذا التفاوت يكون هنالك تكامل في المجموعة البشرية، الناس متفاوتون في مداركهم، ومتفاوتون في قواهم البصرية، ومتفاوتون في قواهم السمعية، ومتفاوتون في ملامحهم وصورهم، ومتفاوتون في كل شيء. لو وُكِل هذا الأمر إلى الناس أنفسهم، هل كان أحد من الناس يختار لنفسه أن يكون ضعيف البنية، أو أن يكون ضعيف السمع، أو أن يكون ضعيف البصر، أو أن يكون ضعيف الإدراك، أو أن يكون ضعيف القوى العقلية، أو أن يكون قبيح الصورة، أو أن يكون قصير العمر، أو أن يكون فقيرًا، أو أن يكون وضيعًا في مجتمعه؟ هل من أحد يختار هذا؟ وإنما هذه خِيرةُ الله وقِسمةُ الله تعالى بين عباده؛ ليختبر هؤلاء العباد من ناحية، ثم ليكون التكامل مع ذلك ما بينهم من ناحية أخرى، ففي طيّ كل شيء من ذلك حكمةٌ بالغةٌ من الله سبحانه الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
على أن الإنسان خُلِق من نطفة حسب التعبير القرآني البليغ الصادق، ومن أصدق من الله حديثًا. وسميت هذه النطفة بلغة الأصل خلية، هذه الخلية بلغت من حقارتها أنها لا تكاد تُبصر حتى بأشعة المجهر، ومع هذا فإن اللقاح الذي يحصل ما بين هذه الخلية التي تتكوّن في الحيوان المنوي من قِبَل الرجل وبين البويضة التي تكون من قِبَل المرأة، وعندما يتم اللقاح ما بينهما يكون أمرًا عجبًا؛ على أن هذا اللقاح نفسه ليس بالأمر الهيّن؛ فنطفة واحدة من بين نحو أربعمائة مليون نطفة، أو ما بين أربعمائة مليون حيوان منوي، هذه الخلية الواحدة هي التي يتم اللقاح ما بينها وبين البويضة.
ثم كيف يتم اللقاء؟ هناك شيء يشبه الأسطورة: كيف يجري كل واحد منهما في نفقه؟ فهبْ أن أحدًا من الناس خرج من مسافة بعيدة، من مسافة مائتي ميل، وهو معصوب العينين لا يرى، وليس هنالك من أحد يمسك بيده ليدلَّه على الطريق، وليس هنالك من يرشده، هو معصوب العينين ومسدود الأذنين، لا يرى ولا يسمع، يخرج من مسافة مائتي ميل مثلًا ليلتقي بآخر على بُعد مائتي ميل، والآخر مثله مشدود العينين مسدود الأذنين، لا يسمع ولا يبصر، فيتم اللقاء بطريقة عجيبة؛ من الذي يقدّر ذلك؟ هذه أمور تستدعي أن يفكر الإنسان فيها مليًّا، وأن يعمق فيها نظره، وأن يحرص على أن يقف على عين الحقيقة من خلال دراسته لهذه الأمور.
ثم بعد ذلك، بعد هذا اللقاء، يكون ذلك التوالد العجيب في الخلايا، بحيث تتنامى الخلايا بسرعة مذهلة، وتنقسم إلى أقسام شتى: خلايا لحمية، خلايا عظمية، خلايا غضروفية، هذه الخلايا تنمو هذا النماء الغريب، حتى إن الإنسان الواحد –فيما يقال– بعد تكامل بنيته تكون خلاياه: منهم من قال تكون خمسين مليون مليون خلية، ومنهم من قال تكون ستين مليون مليون خلية، ومنهم من قال تكون مائة مليون مليون خلية، ومنهم من قال تكون ألف مليون مليون خلية، هذه الخلايا متنوعة، هذه الخلايا كلها تحتاج إلى غذاء، كل خلية منها تشكّل مملكة من حيث أيُّ العمل الذي تعمله، من حيث الأخذ والإعطاء، من حيث القبول والرفض، كل خلية منها تشكّل مملكة، كل غذاء يتحول إلى كل خلية من هذه الخلايا بمقدار ما ينفع ولا يضر، بمقدار ما يبني ولا يهدم، بمقدار ما يعمّر ولا يدمّر.
ثم مع هذا كله، هنالك مراحل يمر بها الإنسان حتى يصل إلى هذا المستوى، وعندما يصل إلى هذا المستوى ويخرج إلى العالم، وتستقبله هذه الأرض بفضائها، يتحول إلى وضع آخر، ويحتاج إلى عناية أخرى. لو اجتمع أهل الأرض جميعًا، بل أهل السماوات وأهل الأرض، على أن يوفروا للإنسان عنايةً من هذا النوع والله لم يكتبها له، فإنه ليس بإمكان هؤلاء جميعًا أن يوفروا له هذه العناية، وإنما ذلك أمر الله سبحانه وتعالى الذي هو من وراء كل شيء، يدبر كل شيء بحكمته، ويصرف كل شيء بإرادته، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
على أن هذه الخلايا على هذه الكثرة الكاثرة، وعلى هذا التعقيد في بناء كل خلية من هذه الخلايا، الإنسان يستهلك في الثانية الواحدة من هذه الخلايا مائة وخمسًا وعشرين مليون خلية تذهب لتأتي أخرى مثلها تسد مسدَّها، في الدقيقة الواحدة يستهلك سبعة آلاف مليون خلية، هذا كله مع أن الخلية الواحدة لو وقف الإنسان حياته كلها من أولها إلى آخرها من أجل دراسة أسرارها، والاطلاع على عجائبها واحتواء ما مضامينها، لما استطاع أن يوفي ذلك.
وهذا كنت قد قلته في كتاب «برهان الحق» عندما تحدثت عن آيات الله تعالى في الأنفس، ودلائل وجوده في خلق الإنسان، ذكرت هذا الكلام، ثم اطلعت بعد ذلك في مجلة «المجتمع» في العدد الصادر في السادس من ربيع الثاني من عام 1429، اطلعت على مقال كتبه أحد من الناس عن الجزيئة التي في جسم إنسان، قال: بأن الجزيئة الواحدة لو شُرِحت شرحًا مستفيضًا كما وصل إليه الناس من اكتشاف عجائبها وأسرارها، لملأت الحقائق التي تُستوحى من دراستها تسعمائة صفحة، أربعين ضعف الموسوعة الطبية البريطانية إن شاء الله، هذه الجزيئة، فما بالك بخلق هذا الإنسان كله.
فكيف مع هذا يكابر الإنسان هذه الحقيقة وينكر وجود الله تعالى؟ أنا أعجبت كثيرًا بما يقوله أهل الفكر والعقل والرُّوِيَّة والتدبر في آيات الله تعالى في الأنفس وفي الآفاق، ولكن من أعجب ما أُعجِبت به كلمات قالها أحد الدعاة جاء إلى سلطنة عمان في ربيع الأول من عام 1395، وألقى محاضرته في نادي السيب، وكان مما قاله في هذه المحاضرة في تمجيد الله سبحانه وتعالى وتقديسه، يقول:
عرفك المؤمن ولم يرك، وجحدك الكافر، ووجوده ناطق بوجودك، كيف تَخفى والشمس بعض آياتك، أم كيف تُدرَك والروح بعض أسرارك إن شاء الله.
فالله سبحانه وتعالى ظاهرٌ خفيٌّ؛ ظاهرٌ بتجلياته في الأنفس وفي الآفاق، وخفيٌّ بذاته، لأن ذاته ليس كمثلها شيء؛ فينكره الكافر، ووجود الكافر ناطق بوجوده، لأن كل جزيئة في هذا الكافر، بل كل ما هو أدق من هذه الجزيئات في جسمه لو شُرِحت لملأت هذه الصفحات الكثيرة؛ كل ذلك دالٌّ على وجود الله، فضلًا عمّا في الكون من آيات الله تعالى في الكون.
وقد وعد الله سبحانه وتعالى أن يُجلي للناس آياته في الأنفس وفي الآفاق: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 52-54].
ونحن نرى كيف جاءت رسالات الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، وكيف خاطب المرسلون الملحدين الكفرة: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]، كيف يبقى شك في الله سبحانه وتعالى، والسماوات والأرض مفتُورات من قِبَله؟ الكون كله حادث، كان بعد أن لم يكن، والكون كله يسير إلى الزوال بدلائل العلم، فإن الحرارة الديناميكية في الكون تتناقص باستمرار، ومن خلال هذا التناقص هو ذاهب إلى الفناء، وهذا دليل على أنه وُجِد في ميقات معين، وينتهي في ميقات معين، ولا يمكن أن يكون هذا الكون خرج من العدم إلى الوجود بنفسه صدفةً؛ أيُّ صدفة هذه؟ الصدفة هي ميتة، الصدفة هي عمياء، كيف تنسق هذه الصدفة هذا الكون هذا التنسيق العجيب، وتنظمه هذا التنظيم الغريب، وتجمع ما بين هذا الشتات، وتؤلف ما بين هذه الأضداد، وتذهب بكل ما عسى أن يكون بينها من تصادم ونشاز، وتجعل هذا الكون متناسقًا هذا التناسق العجيب؟
لا ريب أن من يفكر في هذا يدرك هذه الحقيقة، ومن يدرس من خلال العلم الحديث يزداد إيمانًا ويقينًا من خلال ما يطّلع عليه من هذه الحقائق، فكم من صاحب تخصص علمي تحدث عن هذا الجانب من خلال هذا التخصص العلمي الذي عُني به، وجاء بالعجب العُجاب من كشف هذه الحقائق التي هي بطبيعة الحال مُدرَكة للعقول السليمة من ذي قبل، كلُّ ذي عقل سليم يدركها؛ إذ لا يمكن أن يُكابِر فيها ذو عقل سليم، والوحي الرباني جاء معززًا لهذه العقول، وداعمًا لها بالحجج والبراهين.
فالله سبحانه وتعالى في كتابه، في القرآن الكريم، كم خاطب العقول بآياته التنزيلية التي تعزز آياته التكوينية؛ فالله تعالى عندما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]، أتبع ذلك قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164].
نعم، آيات؛ الإنسان يفتح بصره على هذا العالم بأسره، فيرى أن هذا العالم مع جمعه ما بين الأضداد، ومع جمعه ما بين الاشتات، ومع ما يحتويه هذا العالم الزخّار بالعجائب العجيبة، يوجد هنالك تناسقٌ ما بين هذه الجوانب التي تكون متضادة، والتي تكون في الأصل مختلفة، ولكن يوجد تناسق فيما بينها يجمع شتاتها، فتتوحد في نظام واحد، هذا النظام يدل على وحدانية منظِّمه ومكوِّنه.
لو كان هنالك أكثر من إله لأدى إلى الاختلاف والاضطراب: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. ثم مع هذا كله، لو كان هذا الكون خرج بهذه الطريقة عن غير إرادة من مُريد، وتقدير من مُقدِّر، وقدرة من قادر، لكان معنى ذلك أنه من المحتمل أن يقع أيُّ شيء كان في هذا الوجود بدون مكوِّن.
كما روي عن الإمام أبي حنيفة أنه كان على موعد في حوار مع ملحد، وتعمد أن يتأخر عن الميقات المحدد، فلما جاء قال له الملحد: كيف تأخرت ولم تصل إلى الآن؟ قال له: رأيت عجبًا. قال له: ماذا رأيت؟ قال: جئت إلى البحر لأعبر البحر، وكنت أبحث عن سفينة، فلم أجد سفينة أعبر بها، وإنما كانت هناك شجرة، فما لبثت تلك الشجرة أن تشققت بنفسها، وخرجت منها ألواح، واجتمعت هذه الألواح، وإذا بمسامير تأتي وتدخل في هذه الألواح حتى تتكون منها سفينة، فركبت هذه السفينة، وعامت بهذا البحر من غير ربان ومن غير قائد. قال له: ما أكذبك! هل يمكن أن يقع ذلك؟ أن يمكن أن يقع هذا الأمر؟ شجرة تتشقق بنفسها هكذا من غير أن يشقّقها أحد، وتخرج منها الأخشاب، ثم تنتظم هذه الأخشاب وتكون منها سفينة؟ قال: استبعدت ذلك، ولم تستبعد أن تكون السماوات والأرض وُجِدت بدون خالق، ووُجدت من العدم! هذه الأخشاب موجودة، كانت تجمعها هذه الشجرة، المسامير موجودة، البحر موجود، فليس هنالك إلا تشقق الشجرة، وقد استغربت أن تتشقق الشجرة من غير أن يأتي أحد ويقطع هذه الشجرة، ويشقّق هذه الأخشاب ويستخرج هذه الأخشاب منها، وأنت لا تعجب من وجود الكون على حسب ما تتصور أنت من غير خالق! فبُهِت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.
وهكذا، فطبيعة الحال: الذي ينظر في خلق الإنسان، وينظر في خلق الكون، يرى العجب العُجاب. لو أن أحدًا حدّث أحدًا من الناس بأنه قام بناء هكذا بنفسه من غير أن يبنيه بنّاء، بحيث اجتمع الإسمنت مع الماء، وتكوَّن الطابوق تلقائيًّا، ثم بعد ذلك خرج الطابوق من مكانه إلى مكان آخر، وتكونت أخاديد في الأرض لإقامة البناء تلقائيًّا هكذا، من غير أن يقوم أحد بهذا الطابوق والتئامه مع بعضه، ثم بعد ذلك جاءت الأخشاب، وجاءت المسامير، وجاء الألمنيوم، وجاء كل شيء، وانتظم كل شيء حتى تكوَّن بيت من غير أن يبنيه بنّاء؛ أكان أحد يصدق بهذا؟ فكيف يصدق أحدٌ أن الكون المترامي الأطراف، الذي يُقدَّر بمليارات السنوات الضوئية هذا الجزء الذي اكتُشِف منه، وما أدراك بما لم يُكتشَف؟
فإن الله تعالى يقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: 57]. فكيف بهذا الكون الذي لم يُكتشَف؟ ثم مع هذا، هناك آيات في الأنفس، كم اكتُشِف منها؟ حدثني أحد الأطباء، كتب كتابًا بعنوان «الطب محراب الإيمان» قبل ما يقارب أربعين عامًا، وأتى في هذا الكتاب بالعجب العُجاب، والتقيت به بعد سنين وتحدثت إليه، وذكرت له كيف استفدت من هذا الكتاب، فقال: هذه معلومات قديمة، وقد طوَّرت الكتاب في عشرة مجلدات، ثم قال: ما هذه إلا قطرات من بحر؛ فإن ما اكتُشِف من خريطة الجينات الآن سيستغرق شرحه ثلاثمائة عام، لأن لغات البشر تعجز عن احتواء هذه المعلومات لكثرتها، فلا بد من إيجاد مصطلحات جديدة من أجل البحث عن هذه الحقائق المكتشفة، هذا بالنسبة إلى ما اكتُشِف الآن، ما بالك الذي سيُكتَشَف فيما يأتي؟
والله تعالى وعد بأن تتوالى هذه الآيات: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. والله تعالى يقول: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37].
فعلًا هذه الآيات أخذت تظهر وتتجلّى يومًا بعد يوم، سواء الآيات التي في الأنفس أو الآيات التي في الآفاق. على أن القرآن الكريم في هذا كله يشد انتباه الإنسان إلى هذه الحقائق من خلال فتح بصره على خلق نفسه، وعلى خلق غيره: ﴿قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 17-32]، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30].
لو أن الله سبحانه وتعالى قدّر أن تغور المياه من هذه الأرض، أيُّ يد تستطيع أن تستخرج هذه المياه الغائرة من أعماق الأرض؟ لو قدّر الله تعالى وذهبت المياه، تبخرت تمامًا، وما بقيت قطرة ماء في الكرة الأرضية، من الذي يستطيع أن يأتي بقطرة ماء؟ من الذي يستطيع أن يأتي بقطرة ماء؟ لو أن الله أمسك نبات أرضه من هذه الأرض، من الذي يستطيع أن يستخرج ما أمسكه الله تعالى؟ لو أن الله أمسك قطر سمائه من الذي يستطيع أن يطلق ما أمسكه الله سبحانه وتعالى؟ فعلى الإنسان أن يعتبر.
عجبًا من هذا الإنسان الذي هو بحاجة دائمة إلى الله سبحانه وتعالى، أما يكفي الإنسان أن ينظر في حاجات نفسه، كيف تيسرت بحسب ضرورته إليها؟ كل حاجة يكون الضرورة إليها أدعى هي أكثر تيسيرًا؛ الإنسان لا يستغني عن النفس في ليله ولا في نهاره، في نومه ولا في يقظته، في ذكره ولا في غفلته، في أي فرحه ولا في ترحه، في جميع أحواله لا يستغني عن النفس، وقد يسر الله نفسًا للإنسان، يسر الأكسجين للإنسان، يستنشق الإنسان هذا الأكسجين الصافي من غير أن يدفع ثمنًا، ومن غير أن يكلفه عناء، ليس هنالك أي عناء؛ هو إن كان نائمًا يستنشق هذا الأكسجين ويجري النفس فيه، وإن كان يقظان فكذلك، وإن كان ماشيًا فكذلك، وإن كان قاعدًا فكذلك، وإن كان قائمًا فكذلك، وإن كان على أي حال من الأحوال فكذلك.
وبعد ذلك تأتي الضرورة إلى الماء، والضرورة إلى الماء أقل من الضرورة إلى الهواء، وقد يسَّر الله سبحانه وتعالى للإنسان الماء بقدر هذه الضرورة، فهو ينعم بوجود الماء حوله، ينعم بوجود الماء في هذا، نعم يكلفه بعض العناء، ويكلفه بعض المغرم، لكن أقل من شيء قليل. ثم تأتي بعد ذلك الضرورة إلى الطعام، وقد يسر الله تعالى للإنسان الطعام، ربما يأتي رزق الإنسان من مغارب الأرض وهو في مشارقها، أو العكس، يُساق إليه رزقه من كل مكان، يُساق إليه الطعام؛ هنالك يفلح الفلاح، ويزرع، ويُبذِر، ويُسمد، ويسقي، والماء موجود والحمد لله، ثم بعد ذلك يحصل الحاصل، وتُنقَل هذه الغِلال من مكان إلى مكان، وقد يسر الله تعالى وسائل النقل، سواء الوسائل البحرية أو الوسائل البرية أو الوسائل الجوية، ثم يصل هذا الطعام إلى من قُدِّر له أن يتغذى به، وقد يسر الله تعالى له وسائل الطبخ –إن كان يحتاج إلى طبخ– يسّر الله تعالى له النار: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 71-73]، يسّر الله تعالى ذلك كله، وإذا هذا الطعام يتهيأ للإنسان، نعم يكلفه شيئًا من العناء، ويكلفه مغرمًا وكذا، لكن بقدر اليسر.
ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الدواء، الحاجة إلى الدواء أقل من الحاجة إلى الطعام، لأن تناول الدواء لا يتكرر كتناول الطعام، وهكذا، وكل من ذلك يُيسَّر بقدر حاجة الإنسان؛ فإذا على الإنسان أن يفكر، وأن يربط هذه الحلقات بعضها ببعض، لينظر كيف تؤثر الأسباب في مسبَّباتها، ولم تكن هذه الأسباب لتفضي بنفسها إلى هذه المسبَّبات إلا بإرادة العليم الحكيم القدير الخبير، المصرف لكل شيء، القادر الذي لا يعجزه شيء في هذا الكون، يقول للشيء كن فيكون.
فحسب الإنسان أن ينظر في هذه الآيات ليمتلئ قلبه إيمانًا، وليبدد ظلمات الكفر والشك، نعم، وظلمات الإلحاد، ولْيبتعد عن مسالك الملحدين والعياذ بالله والعياذ بالله.