⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فمن المعلوم أن وجود الله سبحانه وتعالى ليس كوجود خلقه، إذ وجود كل شيء عداه إنما هو وجود جائز وليس وجودًا واجبًا، بينما وجوده سبحانه وتعالى وجود واجب، فهو الواجب الوجود لذاته، بينما كل موجود إنما هو ممكن الوجود فحسب.
فالكون بأثره لم يكن شيئًا في الأزل، وإنما كان الله ولا شيء معه، كما يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: 16]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، ويدل على ذلك حديث عمران بن حصين رضي الله عنه الذي أشرنا إليه من قبل.
فكل ما في الكون إنما هو أثر لوجود الله، كما أعرب عن ذلك الأعرابي عندما قال: "البعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؛ ألا تدل على اللطيف الخبير؟"، أو كما قال ذلك الأعرابي بمعناه.
نعم، كل ما وُجد من دون الله سبحانه وتعالى إنما يدل على الله، والله سبحانه كما قلت في حلقة الأمس وجوده ليس وجودًا ماديًا. أما الذين يحاولون أن يصفوه بصفات مخلوقاته، فيقولون أو فيقول قائل منهم: بأنه تعالى مُبَعَّض إلى أبعاض بحيث يتكوّن من وجه ويدين وجنب وقدمين وغير ذلك مما هو في الإنسان، فلا ريب أن هؤلاء معتقدهم هذا يثير هذه التساؤلات؛ ذلك لأن وجود الأبعاض إنما هو دليل المُبَعِّض.
فاليد غير القدم، والقدم غير الوجه، واليد اليمنى غير اليد الأخرى، فإذا كانت هناك يدان فكل يد منهما غير الأخرى، فوجود هذه الأبعاض المركَّبة دليل على وجود المركِّب، تعالى الله عن ذلك.
ونحن نقول بأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، أي شيء جاء من نحو هذا فإنما يُحمل على المحمل الصحيح؛ الوجه يكون بمعنى الذات، ولا يكون في حق الله تعالى بمعنى الجارحة، ولو كان بمعنى الجارحة فمعناه أنه يفنى كل شيء منه تعالى ما عدا الوجه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وهم يثبتون لله تعالى يدين، ويثبتون لله تعالى رجلين، ويثبتون لله سبحانه وتعالى أعضاء أخرى وأبعاضًا أخرى، وهذا يقتضي –بناء على قولهم بعدم حمل الآيات المتشابهة إلا على ما يقتضيه ظاهر لفظها– أن يكون سبحانه وتعالى يفنى كلُّه ويبقى منه الوجه، تعالى الله عن ذلك.
وهذا بطبيعة الحال هو الذي يفتح الأبواب للشكوك وللإلحاد؛ تعالى هو، أجلُّ من أن يكون مادة، سبحان الله، والله سبحانه وتعالى هو أجل من أن يكون أيضًا عَرَضًا، لأن العرض إنما يقوم بالجسم، ولا يقوم بنفسه، فالله تعالى قائم بذاته، ليس بحاجة إلى ما يقوم به.
ولذلك هؤلاء وقعوا في متاهات عندما قالوا بأنه بحاجة إلى المكان، وبأن العرش هو مكان استقراره تبارك وتعالى، حتى رووا –فيما رووا– روايات ساقطة بأن العرش يئط منه كما يئط الرَّحْل من الحمل الثقيل. وهذا أمر خطير؛ العرش مخلوق، هو رب العرش العظيم، العرش مخلوق، فأين كان قبل خلق العرش؟ وكيف يحتاج بعد خلقه العرش إلى هذا العرش ليستقر عليه؟ تعالى الله عن ذلك.
إنما وجود الله تعالى ليس كوجود مخلوقاته.
فالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم دلَّ على أن الإنسان تعتريه هذه الوساوس من الشيطان؛ قد يوسوس إليه الشيطان بأن يقول له: إن الله خلق الخلق، هذا الله خلق الخلق، فمن الذي خلق الله؟ وهذا أُغلق بابه، بحيث يقول الإنسان: آمنت بالله. إنما قوله: "آمنت بالله" معناه: آمن بالحقيقة الغيبية التي لا تشبه الحقائق الأخرى، الحقيقة الغيبية التي ليس بينها وبين أي حقيقة أخرى أي نسبة، ليس بين الله تبارك وتعالى وبين أي كائن آخر نسبة، إذاً كل كائن عداه إنما هو مخلوق.
وجود الله تعالى وجود واجب؛ لأن كل موجود يفتقر إليه، وحسب الإنسان –كما قلت– أن يقرأ في صفحات هذا الكون هذه الآيات العظيمة الدالة على أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، حسبه ذلك، وحسبه أن يجمع ما بين هذه الآيات التكوينية وما بين الآيات التنزيلية.
عندما يقرأ نحو قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 95-96]، وغير هذه والآيات التي بعد هذه، وغيرها من الآيات التي تتحدث عن فعل الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود؛ بحيث إنه أخرج كل شيء من العدم إلى الوجود، هذه آيات شاهدة على أن الله سبحانه وتعالى وجوده ضرورة، لا بد منها.
فوجود الله سبحانه وتعالى أمر لا يمكن أن يكون أمرًا اختياريًا، وإنما هو أمر لا بد منه، لأن كل كائن يفتقر إلى الله سبحانه، فوجوده إنما هو واجب، وليس كوجود غيره؛ وجود غيره ممكن فحسب.
وكما قلت بالأمس: بأن أسرار الله تعالى تتجلى في الأنفس وفي الآفاق، فالله سبحانه وتعالى خلق الخلية، كل خلية من الخلايا هي بحر من الأسرار من أسرار الله، لو أن أحدًا وقف حياته كلها من أولها إلى آخرها من أجل دراسة خلية من الخلايا لما استوعب أسرار هذه الخلية.
وكما قلت: بأنني اطَّلعت بعد ذلك في إحدى الصحف على مقال عنوانه: "شريط الوراثة ينسف الفلسفة المادية"؛ يعني شريط الوراثة الذي تتجلى في الجينات في الإنسان ينسف الفلسفة المادية. وذُكر في هذا المقال بأن الجزيئة –وما أدراكم ما هي الجزيئة– الجزيئة كما يُقال بأنها تُقاس بالواحد على البليون من الملِّ، فما أدراكم ما تعمل عليه الخلية الواحدة من الجزيئات.
هذه الجزيئة الواحدة لو شُرحت شرحًا يفي بما اكتُشف من أسرارها، لملأ شرحها تسعمائة ألف صفحة، أربعين ضعف الموسوعة الطبية البريطانية، هذا وجدته في إحدى الصحف كما ذكرت قبل أمس. فمعنى هذا: كيف مع هذا يبقى الإنسان ينكر وجود الله، وكيف يبقى له أذْر في إنكاره وجود الله؟ أما يكفيه أن ينظر إلى نفسه؟ أما يكفيه أن ينظر إلى الكائنات من حوله؟
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يُنبئ العباد بأن الفطرة تضطرهم إليه، الفطرة تضطرهم إليه؛ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: 16]، ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ * أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الرعد: 16؛ الزمر: 29؛ النمل: 59 باختلاف السياق]، ثم قوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: 60-64].
نعم، فآيات القرآن واضحة في هذا، تأخذ بالعقل البشري لتحيط به في هذا المتحف الإلهي، في هذا الكون، لينظر كيف صنع الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود، وليُبْصِرَ بسرِّه بآياته التكوينية، ويجمع بذلك ما بين مشاهدة الآيات التكوينية وسماع الآيات التنزيلية، ليرى التناسق والانسجام بين الآيات التكوينية والآيات التنزيلية، ليدفع عن نفسه الشك والريب.
إن الواجب على كل إنسان أن يقف عند هذه الآيات.
وكما قيل لي بأن أحد الملاحدة قال: اهتزَّ بإلحاده مرة واحدة عندما فكَّر في الأجرام الفلكية؛ بأن الأجرام الفلكية عددها يفوق عدد ذرّات الرمال في أوسع الشواطئ، الأجرام الفلكية عددها يفوق عدد ذرّات الرمال في أوسع الشواطئ. هذه الأجرام الفلكية –مع هذه الكثرة، ومع عِظَمها، ومع سرعتها المذهلة في دورانها، ومع طبائعها الشديدة الحارة– مع ذلك كله لا تتصادم، مع أن هناك في عالم الأرض سيارات أو مركبات تمشي، كم يقع من تصادم بين هذه السيارات.
عندما وقع التصادم بين المركبتين النوويتين، بين غواصتين نوويتين في الأيام القريبة، كانوا لا يتصورون –مع الأجهزة الموجودة في هاتين الغواصتين– أن يقع بينهما تصادم؛ كان التصادم بينهما –بحسب المعايير التي عندهم– يشبه التصادم ما بين سفينتين إحداهما في المحيط الأطلسي والأخرى في المحيط الهندي، يعني مستحيل التصادم، ولكن مع ذلك وقع التصادم بينهما، يريهم الله تعالى عجزهم، وأنهم مهما فعلوا فإنهم هم العاجزون، والله سبحانه وتعالى هو على كل شيء قدير.
ومهما خَطَّط العقل البشري فإن العقل البشري يظل قاصرًا؛ لأنه محدود بحدود الفطرة التي فطر الله تعالى البشر عليها، بينما هذه الأجرام الهائلة العظيمة لا تتصادم، متى يقع التصادم بينها؟ إنما يقع التصادم بينها عندما يأذن الله تعالى بانتهاء هذا الكون، وينحل هذا النظام، وتتساقط هذه الأجرام فيقع بعضها على بعض؛ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 1-2]، تنتثر هذه الكواكب، ويقع بعضها على بعض، أما قبل ذلك فكلٌّ منها يدور في مداره من غير أن يقع أي تصادم.
فكيف يصدِّق عقل إنسان أن هذه الأجرام على هذه الكثرة الكاثرة تدور تلقائيًا في مداراتها من غير أن يكون هنالك من يدبِّر حركاتها، ومن يسوقها سوقًا مضبوطًا متقنًا بحيث لا يقع بينها أي تصادم، ولا يقع بينها أي نشاز في طبائعها وفي مساراتها؟ إنما ذلك كله دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو فاطر هذا الكون، هو فاطر السماوات والأرض، هو مدبِّر هذا الوجود، هو الذي تهيمن قدرته على كل شيء في الكون، لا تخرج ذرّة من ذرّات الكون عن محيط قدرته سبحانه.
فهذه آيات، فالإنسان حسبه أن ينظر في ذلك ليدرك أن وجود الله ليس كوجود البشر، وأن وجود الله ليس كوجود الخلق؛ وجوده أزلي أبدي، لم يُسبق وجوده عدم، ولا يلحقه عدم.
لو كان مسبوقًا بعدم –تعالى الله عن ذلك– لكان كغيره من الموجودات الأخرى مفتقرًا إلى موجدٍ أو إلى علّة، وهنا إما أن يكون هنالك دور بحيث يكون هو الذي خلق الكون والكون خلقه هو، والدور باطل، لأن وجود كلٍّ منهما يكون متوقفًا على وجود الآخر، فيبطل وجودهما جميعًا، أو يكون هنالك تسلسل بحيث يكون هو خلق الكون، وهو خلقه مكوِّن آخر، والمكوِّن الآخر خلقه مكوِّن آخر، وتطول به سلسلة إلى ما لا غاية له، وذلك هو عين البطلان أيضًا.
إنما الله إله واحد: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وهو السميع البصير.