مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حرية التعبير للملحدين

هل آيتا «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر» و«لا إكراه في الدين» تدلان على وجوب إفساح المجال للملحدين ليقولوا ما يشاؤون دون منع أو ردع بحجة حرية الفكر والتعبير؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فان الله سبحانه وتعالى له الملك وله الحمد، والإسلام هو دين الله جاء لينظم حياة البشر من ناحية العقيدة والفكر، ومن ناحية العبادة والعمل، ومن ناحية الأخلاق والمثل. فالإسلام جاء ليبوِّئ كل شيء مَبْوَأَه، ولينزِّل كل أمرٍ منزلته، وليعطي كل حادثٍ حكمه. الإسلام ما جاء لِيُتْرَكَ الناس في فوضى وفي عَمًى من أمرهم، بل جاء لينظم هذه الحياة. ولله ملك السماوات والأرض، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم داعيًا ومبشرًا ونذيرًا، بعثه الله سبحانه وتعالى بدعوة الحق وبحجة الحق وببرهان الحق، بعثه ليبدِّد شبهات الباطل. ومن المعلوم أن مراحل الدعوة كانت مراحل متفاوِتة بين بداية عهدها ووسط عهدها ونهاية عهدها، إذ لم تَمْشِ على وتيرةٍ واحدةٍ في جميع هذه الأحوال؛ لأن الله سبحانه وتعالى بلطفه وبحكمته يُعطَى كلُّ شيءٍ حكمَه، ويبوَّأ كلُّ أمرٍ مَبْوَأَه. فالناس عندما يكونون في ضعفٍ من أمرهم لا يمكن أن يُكلَّفوا ما يُكلَّفونه عندما يكونون في قوة، فالدعوة في مقام الضعف تختلف عنها في مقام القوة لا في المبادئ ولكن في الأسلوب. ولا ريب أن كثيرًا من الناس يهوَوْن الظهور، ويهوَوْن أن يكونوا مبدعين، ويهوَوْن أن يُوصَفوا بأنهم سبقوا من قبلهم، وكأنما لسان حال كل منهم يقول: «وإني وإن كنت الأخيرَ زمانُهُ * لآتٍ بما لم تستطِعه الأوائلُ». فلذلك هم لا يُبالون أن يتعسَّفوا في تفسير القرآن الكريم بحسب ما يُملي عليهم الهوى، من غير أن يرجعوا إلى أصول التفسير، ومن غير أن يرجعوا إلى ما قاله العلماء المفسرون من عهد الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقتنا هذا، ومن غير أن يستلهموا معاني القرآن من دلائل القرآن نفسه، ومن الجمع بين الآيات القرآنية. فلذلك يتعسَّفون مثل هذا التعسُّف في تأويل القرآن ليَصِلوا إلى أن يُبدِّلوا أحكام الله، وأن يُغيِّروا شرع الله سبحانه وتعالى، وهذه مصيبة، وهذا مرض في نفوس كثير من الناس. ولو أن هؤلاء ضبطوا ألسنتهم، وعرفوا أن ما يقولونه إنما هو محسوب عليهم وهم محاسَبون به، لكان لهم وضع غير هذا الوضع، ولما انطلقوا في هذه المجالات من غير بُرهان وبيِّنة. فقول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌۭ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ لا يعني بحالٍ من الأحوال أن يُتْرَك المجال للمجرمين يقولون ما يشاؤون ويفعلون ما يشاؤون، ولو كان الأمر كذلك لما كان هناك حدٌّ من حدود الله، لما كان هناك داعٍ إلى أن يُشرَع حدٌّ من أجل قذف المحصنات مثلاً؛ فإن الذي قذف المحصنة إنما قال ما قاله بموجب ما يراه لنفسه من حرية في التعبير، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يردع قاذفَ المحصنة بمثل هذا الردع، فكيف لا يُردَع من يتجرأ على الله سبحانه وتعالى فينكر وجوده، أو يتجرأ على الله سبحانه وتعالى فيصفه بصفات النقص، أو يتجرأ على الله سبحانه وتعالى بالسباب والشتم، أو يتجرأ على الله سبحانه وتعالى فيبدِّل أحكامه، أو يتجرأ على الله سبحانه وتعالى فينقض ما أرسل به رسله؟ لا ريب أن هذا من الساعين في الأرض فسادًا. ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى شرع أحكامًا لردِّ المفسدين، وقطع دابرهم، واستئصال شأفة فسادهم؛ فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]. هذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله. وبالله عليكم هذا الذي يفتري على الله فينفي وجود الله سبحانه وتعالى، أو ينفي شرع الله، أو يتطاول على أمر الله، ويحاول أن يبدِّل أحكام الله، أليس هو من الساعين في الأرض فسادًا؟ فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم ممنوعًا من أن يردع المبطلين، لما كان هناك معنى لأن يُؤمر بإقامة الحد على الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، ولما كان هناك معنى لأن يُقام حدُّ الزانية والزاني، ولما كان هناك معنى لأن يُقام حدُّ السارق والسارقة، ولما كان هناك معنى لأن يُقام حدٌّ على قاذف المحصنات، ولما كان هناك معنى لأن يكون هناك جهادٌ وقتالٌ من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمةُ الذين كفروا السفلى. نحن نرى النصوص الكثيرة في كتاب الله التي فيها مشروعية قطع دابر الفساد: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]. لماذا شرع القتال لو كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا بأن يكفَّ نفسه، وألا يبسط أيَّ سيطرةٍ على أيِّ أحدٍ من الناس؟ لماذا شُرِع القتال؟ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [التوبة: 73]. لماذا شُرع له جهادُ المنافقين والكفار؟ ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ﴾ [الأنفال: 39]. وفي آية أخرى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]. لماذا شرع إذًا قتال هؤلاء المجرمين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله؟ لماذا شُرع ذلك إن كان الناس تُبسَط لهم الحريات ليُعيثوا في الأرض فسادًا، ولينشروا فيما بين الناس الفساد؟ وعلى أن فساد الإنسان وانحرافه عن الصراط السوي، وخروجه عن الحق ومنهجه، يؤدي ذلك بطبيعة الحال إلى انتشار مختلف أنواع الفساد في الأرض؛ الله تعالى يقول: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. ومن أجل هذا شُرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث مراحل: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أُمر الإنسان أن يغيِّر المنكر كيفما كان: باليد أو باللسان أو بالقلب إن لم يستطع. وأيُّ فسادٍ وأيُّ منكرٍ أعظم من الإلحاد؟ أيُّ منكر أعظم من الإلحاد؟ ماذا يبقى للناس من صلاح، وماذا يبقى للناس من برٍّ، وماذا يبقى للناس من مراعاةٍ للحقوق، وماذا يبقى للناس من خوفٍ من الله تعالى عندما يتفشَّى الإلحاد؟ ونرى بطبيعة الحال أن الله سبحانه وتعالى يأمر بأن يأمر الناسُ بالمعروف وأن ينهَوْا عن المنكر، ولا تُطلق أيديهم يفعلون كما شاؤوا؛ فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، ويقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. ولكن مع انقلاب الموازين، وضلال العقول، وانحراف الفطر، صار الناس يرون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصادرةٌ لحريات الناس. إنسان لو أُطلِقت له الحريات يفعل كيف يشاء، إذا حريته تدفعه إلى أن يقتل، حريته تدفعه إلى أن يمشي عاريًا في وسط الجماهير من غير مبالاة بأي شيء، حرية تدفعه إلى أن يحطِّم الأنظمة كيفما كان، لا يُبالي بأي نظام، ويعطي لنفسه الحرية؛ هل يُطلَق الإنسان هكذا أو أن هذه الحرية تُضبَط وتؤطَّر في الإطار الصحيح؟ هذا الإطار الصحيح من أين يأتي إن لم يأتِ من قبل الله تعالى؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي يعلم مساربَه ومخارجه، ويعلم ما تنطوي عليه فطرته، ويعلم طبيعة الكون من حوله، ويعلم كيف انسجام هذه الفطرة التي فُطر البشرُ عليها مع نظام هذا الكون، فجاء تشريعه من قبله منسجمًا مع هذه الجوانب كلها: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. فهذه ليست مصادرةً للحريات، إنما هذا تسييرٌ للحريات في الإطار الصحيح؛ الحرية ليست في أن يقول الإنسان ما شاء... لو أن أحدًا من الناس افترى على والده وسبَّ والده، هل يُقال: يُترَك وشأنه لأن هذه حريته يفعل ما يشاء؟ لو سبَّ أمه، هل يُقال بأن هذه حرية ويفعل ما يشاء؟ لو أنه اعتدى على ولده بقتلٍ أو بغيره، هل يُقال: ذلك ولده وتلك حريته وليفعل ما يشاء؟ لا. إذًا تُمنَع هذه التصرُّفات من الإنسان؛ أفيُمنَع هذا الإنسان أن يتصرَّف تصرُّفًا يتجرأ فيه على قيُّوم السماوات والأرض، ربِّ السماوات والأرض الذي له الملك وله الحمد، وله ما في السماوات وما في الأرض، ويعلم السرَّ وأخفى، من عباده تسبِّح له السماواتُ السبع والأرضُ ومن فيهن، ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 3 مشاهدة
🎬

وسواس الإلحاد (الحلقة 4) - الشيخ أحمد الخليلي

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

الحرية لفكر الإلحاد

2 👁

هل الإلحاد من الأفكار التي يفسح لها المجال في حرية التعبير، مع اتهام الملاحدة للخطاب الديني بأنه يضيّق عليهم ولا يمكّنهم من قول ما يريدون؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

إغلاق الحوار مع الملحدين

2 👁

هل باب الحوار مغلق بالفعل في وجه الملحدين كما يزعمون حين يقال لهم إن الشريعة لا تقبل النقاش وليست موضوعة على طاولة الحوار وإنما على المرء أن يسلّم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

الخوف من مناقشة الملحدين علناً

2 👁

ما سبب الخشية على عقائد الناس من مناقشة الملحدين علنياً أو السماح لهم بالتعبير عن آرائهم تحت مسمى حرية التعبير، وما المساحة التي يسمح فيها الشرع بفتح المجال للجدال معهم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣

إتاحة المنابر للملحدين

2 👁

هل يصح فتح المجال للملحدين عبر المنابر والإعلام وشبكات الإنترنت ليعرضوا شبهاتهم ثم يتم الرد عليهم بحجة استنزاف ما عندهم، أم أن شبهاتهم قد رُدَّ عليها سابقاً وهي إعادة إنتاج لما سبق؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

حدود حرية التعبير

2 👁

ما المساحة التي وفرت للإنسان في حرية التعبير، خاصة في الكتابة عما يمس الأخلاق والقيم، وهل تمنح المؤسسات الإنسان هذه الحرية بلا قيود؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٤‏/٢٠١٤

نقد الأشخاص والكتابة عنهم

2 👁

إلى أي مدى يسمح في الإسلام بحرية انتقاد الآخرين والكتابة عنهم دون أن يعد ذلك مصادرة للفكر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠