⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان رساله الاسلام هي رساله الرحمه، رحمه الله تعالى للعالمين، فهي رساله تجمع في طياتها خير الدنيا والآخرة، وتجمع ما بين مطالب الروح ومطالب الجسم، وتجمع بين مطالب الحياة المادية ومطالب الحياة المعنوية للبشر، وتجمع ما بين مصلحة الدنيا والآخرة، وتجمع ما بين المسير والمصير، وما بين العمل والجزاء.
والعالم كله بحاجة الى هذه الرسالة، لانها رسالة الفطرة السوية التي فطر الله تعالى البشر عليها، فالله تعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]، ذلك الدين القيم، ولكن اكثر الناس لا يعلمون.
وإنما حُمِلَت هذه الرسالة أُصِيبَ حَمَلَتُها، فهم بَعُدوا عن التصور الصحيح، وبَعُدوا عن التربية السليمة، وبَعُدوا عن المقومات القويمة لحياتهم النظرية والعملية، فلذلك صاروا هم عالة على الآخرين، يسعون وراء السراب من اجل ان يرووا به ظمأهم، وعندهم الماء المعين الدفاق الذي فيه كل ما يبرد اللهوات، وما يطفئ العطش، وما يروي الصدى، وهم يتركون هذا المعين الطهور ليبحثوا عن المستنقعات الآسنة التي تجمع جميع الأوساخ والأرجاس، وهذا مما يُؤسَف له كثيرًا.
ولا ريب انهم فقدوا اول ما فقدوا المعرفة الدقيقة للاسلوب الصحيح في الدعوة الى الاسلام.
نحن اذا اردنا ان ندرك هذه معرفة دقيقة علينا ان نرجع الى كتاب الله سبحانه وتعالى، نجد ان الله سبحانه وتعالى كيف ذكر الأنبياء ودعواتهم لاممهم ان يدخلوا في هذا الدين... ونحن نجد في هذا الوقت الامور مواتية للدعوة الى الاسلام، ولكن مع الاسف الشديد النكسة التي أُصيبت بها الامة، والهزيمة النفسية التي تردت في مهاويها، ذلك هو الذي وقف حائلا دون وصول المسلمين الى اقناع الناس بهذا الدين، ووصول الناس الى فهم حقيقة هذا الدين.
نحن نجد في فترة من الفترات كانت الشيوعية تَغَلْغَلَت في نفوس الناس، ثم جاء الوقت الذي اندحرت فيه وسقطت الشيوعية، وعندما سقطت الشيوعية كان اولئك الذين هم ساستها ورؤوسها والقائمون عليها يضربونها بالفؤوس، ولكن الضعاف، ضعاف النفوس من هذه الامة كانوا لا يزالون يتشبثون بالشيوعية، ويرون ان الشيوعية هي المنقذ، ضعاف النفوس من هذه الامة، مع ذلك التصريح من جورباتشوف وامثاله ان الشيوعية انتهت كانوا يقولون: لا، لا تزال الشيوعية هي الامل الوحيد لنا.
كذلك الآن مثل هذا، عندما تكشف للعالم عوار النظام الرأسمالي، وان الرأسمالية ليس وراءها اي مصلحة، وان الربا هو الذي يدمر الامم، ويجتاح الاقتصاد، وهو نار لا تنطفي؛ لانه حرب بين العباد وبين ربهم، عندما يُكشَف هذا للاخرين، الضعاف من هذه الامة – واكثر الامة ضعاف – لا يزالون متشبثين بالنظام الربوي، نحن اينما ذهبنا نرى الدعايات للترويج للمقامرة، والترويج للربا من خلال دعوة الناس الى الدخول في المقامرات التي حرمها الله سبحانه وتعالى، والدخول في المعاملات الربوية، وادفعْ لتربح، الى آخره، اي ربح هذا؟ اي ربح في محاربة الله تعالى ورسوله؟ والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91]، ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279].
اي ربح يأتي مما حرمه الله، ومن محاربة الله تعالى ورسوله؟ هم بدلا من ان يوضحوا للامم بان الاسلام فيه الخير، وان الاسلام فيه الهدى، وان النظام المالي الاسلامي هو الذي فيه الخير، وهو الذي فيه الرحمة بالإنسانية، وهو الذي فيه الحفاظ على الاقتصاد، هم بعكس ذلك، الآخرون غير المسلمين ينادون الآن بالرجوع الى النظام الاسلامي، والاستفادة بالنظام الاسلامي، بينما هنا الذين ينتسبون الى الاسلام انما يروجون لهذه المعاملات المحرمة.
فاذا نحن الآن امام تغيرات في العالم، وامام حوادث تترى، ونذر تتوالى، هذه النذر تنذر العالم كله ان لم يتبعوا الحق ويرجعوا الى الله سبحانه وتعالى فان الدمار سوف يأخذ العالم باسره... فهل افاق المسلمون ودعوا الى الله سبحانه وتعالى، وبصروا الناس بان كل ذلك انما هو بسبب محاربة الله ورسوله، وبسبب الوقوع في الفحشاء؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنونها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» او كما قال عليه افضل الصلاة والسلام، هكذا يقول عليه افضل الصلاة والسلام.
فهل الامة افاقت على هذا الامر وادركت هذا الامر، او انها تمادت في غيها؟ مع ان هذه النذر عندما تتوالى ولا يفيق الناس من سكرتهم تكون عاقبتها عاقبة وخيمة، فَعاقبتها – والعياذ بالله، ونسأل الله تعالى السلامة من ذلك – عاقبتها ان يستدرج الله عباده ثم يأخذهم على غرة، هذا الذي دلت عليه الآيات القرآنية... ومعنى ذلك ان هذه النذر ان لم يَفِق الناس عليها وينتفعوا بها، ويرجعوا الى ربهم سبحانه وتعالى بسببها، فان عاقبة ذلك ان يستدرجهم الله سبحانه وتعالى ثم يأخذ العباد على غرة... فالعالم الآن، مع فشل جميع النظم البشرية، بحاجة الى هذا الاسلام، وبحاجة الى ان يُعرَّف بالاسلام، ولا يكون هذا النهج الذي يَنهجه المسلمون بحيث يحجبون محاسن الاسلام عن العالم، الا ظلما للعالم، هو ظلم للإسلام، وظلم للعالم، وظلم للمسلمين انفسهم، لانهم هم بحاجة الى ان ينقذوا انفسهم بنظام الاسلام وبمنهج الاسلام وبعقد الاسلام وبالفكر الصحيح للاسلام.