مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

واجب الفرد والمجتمع

ما الذي يأمر به الإسلام الفرد والمجتمع عند انتشار الأوبئة مثل إنفلونزا الخنازير للتعاون على احتوائها والتخلص منها؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الصحة نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده، وهي تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، ولذلك كان على الإنسان أن يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة الصحة ولا يكفر هذه النعمة، وشكر النعمة هو استخدامها فيما يرضي من أنعم بها، واستخدامها فيما يعود بالمصلحة على المنعَم عليه بها وعلى مجتمعه وعلى أمته وعلى جنسه؛ فإن ذلك كله مما يدخل في شكر هذه النعمة التي ينعمها الله سبحانه وتعالى على عباده. ولا ريب أن الإنسان مهما أوتي في هذه الحياة يبقى إنسانًا، والإنسان طاقاته محدودة، وإمكاناته محدودة، ورؤاه محدودة، وكل شيء فيه محدود، إنما القوة المطلقة لله سبحانه وتعالى، ولولا أن الله أعطى العباد شيئًا من القدرة على ممارسة ما أراد منهم أن يمارسوه لكانوا عاجزين عن كل شيء، ولما كان هنالك فرق ما بين هذا الإنسان الذي يتحرك بإرادته وفق نواميس الله تعالى وسننه وبين الجماد الجامد الذي لا يتحرك؛ لأن كل شيء إنما هو بيد الله سبحانه وتعالى. ولا ريب أن الله تعالى يبتلي من يشاء من عباده بما يشاء من بلائه في أي وقت كان، فالبلاء إنما يأتي من عند الله، وقد يكون البلاء لحكمة، ولا ريب أن كل ما يأتي من قبل الله تعالى إنما هو لحكمة؛ فالإنسان من شأنه الطغيان، ولا بد من أن يُكبح غروره ويُقضى على طغيانه من خلال ما يعتريه من مبتلات كثيرة تثبت له أنه عبد عاجز غير قادر على شيء، والله سبحانه وتعالى وحده هو على كل شيء قدير. فنحن نرى مثلًا هذا الفيروس الذي انتشر وأصبح يرعب الناس في العالم كله، ومن بين هؤلاء الناس أصحاب النفوذ في الدول الكبرى الذين أوتوا ما أوتوا من القوة في هذه الأرض واغتروا بما أوتوه، فإنهم مع ذلك كله يقفون عاجزين عن صدِّ الخطر، وهذا مما يدعو إلى رجوع الإنسان إلى ربه، ففي ذلك تذكير لهذا الإنسان بعجزه بين يدي الله تعالى، وأن كل شيء لله سبحانه وتعالى. ولا ريب أن سنن الله سبحانه وتعالى مضت في عباده عندما يستكبرون ويطغون ويتعالَون ويأتون بما يأتون به من المنكرات ويرتكبون ما يرتكبونه من الفواحش أن يُصابوا بأمور تكون غير جارية وفق السنن المألوفة باستمرار، أي تكون خارجة عن السنن المألوفة، كما وقع ذلك لفرعون وآله، كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 130-131]، ويذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: 133]. هذه كلها من آيات الله تعالى، فالفيروسات التي تنتشر هي أيضًا من آيات الله تعالى التي يجب أن يقف معها الإنسان، وأن يستبصر فيها بنور الله سبحانه وتعالى، ولا يقف عند مظاهرها الشكلية فحسب، بل عليه أن ينفذ ببصيرته إلى أعماقها ليرى حكمة الله سبحانه وتعالى كيف تُصرَّف هذه الأمور. ونحن لا نشك بأن هناك الكثير الكثير مما يجب على الناس أن يتنبهوا له، ولكن عندما يكون الأمر خارجًا عن السنن المألوفة هذا هو الذي يقلق الناس، وإلا فكم من أمور تقلق الناس، سواء مما يأتي من قبل الناس أنفسهم مما كسبت أيديهم، أو مما يكون بقدر الله تعالى، وكل شيء بقضاء الله وقدره، أو مما يكون بمجرد قدر الله تعالى عقابًا للإنسان على ما ارتكبه. فمن الأمور التي تأتي وفق تصرفات الناس هذه حوادث المرور، كم حوادث المرور تجتاح من أرواح، كم تحصد من أنفس، كم تحطم من أعضاء، كم تعطل من أجسام، في كل يوم تقع حوادث المرور، ولكن بما أن هذا أمرٌ مألوفٌ معهود ما أصبح الناس يكترثون به. كذلك لو جئنا – والعياذ بالله – إلى مرض السرطان، فأرقام ارتفعت إلى حد يُخشى ويُنذر بخطر في العالم، يعني الملايين من الناس الذين أُصيبوا بهذه الأمراض في العالم. وأنا بنفسي قرأت بالنسبة إلى سلطنة عمان: فيها نحو سبعة عشر ألف حالة، سبعة عشر ألف حالة يعني أُصيب الناس فيها بالسرطان – والعياذ بالله – في عام واحد انتشر هذا المرض وأصاب ألف نَسَمة، فمعنى ذلك أن مرضًا ينتشر، ولا ريب أن هذا أيضًا بسبب ما كسبت أيدي الناس؛ فالناس كثيرًا ما اعتدَوا على أنفسهم، واعتدَوا على البيئة. كثرة التدخين من سبب انتشار مرض السرطان، أيضًا تعدي الإنسان على البيئة، لا سيما تلك النفايات التي يُرمى بها في البحر أو في غيره من النفايات النووية، هي أيضًا من سبب هذه الأمراض وسبب انتشار هذه الأمراض، نعم، عدم مبالاة الإنسان بما يصنع في هذه الحياة سبب لانتشار هذه الأمراض، فكل ذلك مما يدعو إلى الاعتبار ويدعو إلى الادِّكار. هذا، ولرَع أن دور الصحة هنا دور مهم، أو دور المؤسسات الصحية بالأحرى، وعلى رأسها وزارة الصحة دور مهم، وعندما صار الأخذ والرد فيما يتعلق بهذا الجانب، بجانب هذا مرض الوباء الذي أخذ ينتشر الآن – والعياذ بالله – أنا قلت لمعالي الدكتور وزير الصحة: عليكم أن تُوعّوا الناس أولًا، لأن كل شيء إنما يتلقى من مصدره الذي يثق به الناس؛ فأنا لو تحدثت في قضايا صحية ما كان الناس يصدقون: من أين له هذه الخبرة أن يتحدث في قضايا صحية، ولو تلقيتُ ذلك من أطباء؟ ولكن عندما يتحدث الأطباء عن هذا الجانب فلا ريب أن كلام الأطباء يرسخ في النفوس، لأنهم يتحدثون عن الحقيقة وهم يستطيعون أن يصوروها وأن يشخِّصوها كما هي، فلذلك كان لزامًا هنا أن تكون توعية طبية متراسة. وأين هذه التوعية؟ أنا أتساءل، إلى الآن الناس ما حُدِّثوا بشيء مما يجب أن يفعلوه من أسباب الوقاية، وهذا هو دور الأطباء، وتتحمل مسؤولية ذلك وزارة الصحة، عليها أن تُحدث الناس بأسباب الوقاية. أنا سمعت من معالي الدكتور وزير الصحة بأن هذا المرض كثيرًا ما ينتشر بمجرد المصافحة عندما يلمس الإنسان بعد المصافحة وجهه وقد لامس المصاب، ولذلك يدعو إلى التقليل من المصافحة، أو إلى استعمال المنظفات بعد المصافحة بحيث ينظف الإنسان يديه قبل أن يمسَّ بهما وجهه. هذا أمر لو قلتُه لما وُثق بكلامي أحد، وإنما على الصحة أن تُبيِّن ذلك، وأن تُفهِم الناس بهذا، وأن تُبيِّن للناس أسباب الوقاية. فمن الحكمة في الإسلام أن رأس الدواء الحِمية، الحِمية هي رأس الدواء، فعلى الإنسان أن يحتمي من المرض، ونحن نرى كيف يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاحتماء من الأمراض؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد»، ويقول: «إذا سمعتم بهذا الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا نزل بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا عنها»، هذا هو الحجر الصحي، وهذه هي الوقاية، لئلا يذهب الإنسان وهو صحيح إلى مكان ملوث بمرض من الأمراض فيصاب بذلك المرض، أو ينتقل بالمرض من بلده إلى بلد آخر، فهذا هو الحجر الصحي، والإسلام يرشد إلى هذا. وكثير من الأمور نحن نرى أن الإسلام يدعو فيها إلى الوقاية، ويدعو إلى الحذر، وإلى أن يأخذ الإنسان حِيطته في كل شيء؛ لأنه مسؤولٌ عن نفسه، مسؤولٌ عن صحته، مسؤولٌ عن كل نعمة من نعم الله تعالى التي أنعمها عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: 211]، وهذه نعمة الصحة نعمة عظيمة ليس للإنسان أن يتلف صحته. كذلك لو جئنا نحن إلى قضية التدخين وما يسببه من أمراض كثيرة، تشمل كل خلية في الجسم، على الناس أن يَعوا خطورة التدخين، كذلك بالنسبة إلى الخمور وإلى غيرها من أسباب الأمراض وأسباب الهلاك، وعدم مبالاة الناس بأحكام الله تعالى، وعدم مبالاتهم بالطهر الذي يجب أن يكونوا عليه هو الذي يؤدي بهم إلى هذه المشكلات العظيمة. فحل المشكلة أولًا قبل كل شيء في الرجوع إلى الله، وتحطيم طوق الغرور، بحيث يدرك الإنسان الذي اغتر غرورًا كبيرًا وظن أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء خبير، لا بد من تحطيم طوق الغرور الذي أُسِر به، وأن يدرك أن الله سبحانه وتعالى وحده له الخلق والأمر والحكم والقهر: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]، فالإنسان لا يملك من الأمر شيئًا؛ لو تضافرت جميع القوى، قوى البشر، وجميع قدر البشر على دفع ضراء لما استطاعت أن تدفع هذه الضراء إلا بأمر الله، ولو تضافرت أيضًا على تحقيق سراء لما استطاعت أن تحقق سراء إلا بأمر الله؛ فالله تعالى وحده هو الذي يدفع الضرر. فالرجوع إلى الله أمر لا بد منه، ثم الأخذ بالأسباب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ناط المسببات بأسبابها، فلذلك على الناس أن يدركوا أسباب هذه الأمراض، وكما قلت وأكرر: على وزارة الصحة أن تُبيِّن للناس هذه الأخطار، وأن تأمرهم بالوقاية، كذلك بالنسبة إلى الاكتشاف، لا بد من أن تتضافر الجهود من أجل كشف هذه الأمراض، وأنا أعجب: كيف يُحصر هذا الشيء في المؤسسات الرسمية؟ كيف لا يُعطى أصحاب العيادات الطبية الأخرى الضوء الأخضر من أجل اكتشاف هذه الأمراض؟ فهل المؤسسات الرسمية تسع لجميع هؤلاء الناس الذين يريدون أن يفحصوا أنفسهم؟ نحن وجدنا الفحص الآن أصبح فحصًا شكليًا، مع أنه من المفروض أن يكون هذا الفحص فحصًا عميقًا، ويجب أن تشترك فيه المؤسسات جميعًا، المؤسسات الطبية سواء الرسمية منها أو غير الرسمية، من أجل اكتشاف الأمراض ومن أجل درء هذا الخطر.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

الصحة في الإسلام - الشيخ أحمد الخليلي - ليلة 8 رمضان 1430هـ

المسائل الطبيةالمسائل المتنوعة في الصوممسائل متنوعة في المعاملات

✦ فتاوى مشابهة

واجب الفرد والمجتمع

2 👁

ما الذي يأمر به الإسلام الفردَ والمجتمعَ إزاء انتشار الأمراض الوبائية كإنفلونزا الخنازير حتى يتعاون الجميع على احتوائها والتخلص منها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٨‏/٥‏/٢٠١٢

معالجة الشريعة للأوبئة

2 👁

كيف تعالج الشريعة الإسلامية موضوع الأوبئة المعدية التي تنتشر بين الناس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

معالجة الشريعة للأوبئة

2 👁

كيف تعالج الشريعة الإسلامية موضوع الأوبئة المعدية التي تنتشر بين الناس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١‏/٣‏/٢٠٢٠

فضل التبرع بالدم

2 👁

ما رسالة الشيخ للمجتمع بضرورة أن يكون لديهم حافز للتبرع بالدم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢١‏/٤‏/٢٠٢١

الالتزام بإرشادات الجهات

0 👁

ما واجب المسلم تجاه الإرشادات التي تصدر من الجهات المعنية لمواجهة انتشار الوباء، وهل هو مخير في الالتزام بها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٥‏/٣‏/٢٠٢٠

حكم ترك الجماعة خوف العدوى

2 👁

رجل أُصيب ابناه بإنفلونزا الخنازير ولم تظهر عليه الأعراض بعد، فهل يحضر صلاة الجماعة في المسجد مع احتمال حمله للمرض، وماذا عن من ظهرت عليه أعراض زكام عادي ويخشى نقل العدوى للناس؟

👤سعيد بن مبروك القنوبي
٨‏/٥‏/٢٠١٢