⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأوبئة والأمراض عموماً، بل كل ما يصيب الإنسان فرداً أو جماعة أو مجموعات من البشر، نجد فيها حِكَماً لله عز وجل كثيرة.
فمن هذه الحكم: أنها تُبيِّن افتقار… تُظهر العبرة والعظة بافتقار هذا الإنسان الضعيف إلى خالقه المدبر الحكيم القوي القاهر، فتحد من غروره وغلوائه في هذه الحياة، وتذكره بضعفه وافتقاره إلى رحمة ربه الخالق المدبر الحكيم، وتدعوه إلى أن يعتبر ويتعظ، وأن يأخذ بالأسباب التي أتاحها له ربه تبارك وتعالى للخروج من الحالة التي يكون فيها.
كما أنها تكون محلاً لابتلاء وامتحان له؛ كيف هو صبره؟ كيف يواجه أنواع البلاء؟ كيف يعين نفسه وغيره؟ كيف تتماسك هذه المجتمعات وتتعاون فيما بينها لدرء هذه الأخطار التي يمكن أن تصيبها؟ تذكرهم بالنعم التي هم فيها ولزوم شكر هذه النِّعَم؛ لأنهم يكونون آنذاك لا يقدِّرونها حق قدرها حينما يفقدونها.
هذه بعض الحكم التي جعلها الله تبارك وتعالى في مثل هذه الابتلاءات بالأمراض والأسقام والأوبئة، قد يكون بعضها أظهر في حال من ظهورها في حال أخرى، ولا يمكن القطع بأيها المقصود في حال مخصوصة؛ قد تكون كل هذه الحكم مقصودة، قد يكون بعضها مقصوداً، لكن المسلم لا يفوت شيئاً من مثل هذه الأحداث إلا ويأخذ منه العبرة والعظة ليجدد صلته بالله تبارك وتعالى، وليؤدي ما عليه تجاهها.
فالله عز وجل يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]، ويقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 155]، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 156]، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
هذه الجملة التي أثنى الله عز وجل على الصابرين أنهم يقولونها، في حقيقة الأمر هي أبلغ مذكِّر لهم أنهم ما خُلِقوا لهذه الحياة الدنيا، وإنما خُلِقوا للآخرة، وأن خالقهم إنما هو الله تبارك وتعالى، فهم مِلْكٌ لله عز وجل، وإنما رَدُّهم إليه، وإنما أعدَّ لهم – إن هم صبروا وأحسنوا وعبدوه حق عبادته – ما هو خير لهم من وجودهم في هذه الحياة الدنيا.
ولذلك فلا ينبغي للإنسان أن يطغى ويتكبر، وأن يسيء إلى نفسه أو إلى بني جنسه أو إلى الحياة من حوله، إفساداً فيها، وتلويثاً لها، ونشراً للضرر والأذى والفساد؛ كل هذا ممنوع في شرع الله تبارك وتعالى.
فإذاً بمثل هذه الأحداث تحمل في طياتها كل هذه المعاني والعِبَر حتى يتدبرها هذا الإنسان، هذا هو الجانب الإيماني المحض؛ أي المتعلق بالمعنويات، الجوانب النفسية القلبية التي يستحضرها المؤمن في مثل هذه الأحوال.
مع التأكيد على أن هذه الحكم – كما تقدم – يمكن أن تكون جميعاً مقصودة، ويمكن أن يكون البعض منها مقصوداً دون البعض، لكن المسلم دائماً يتهم نفسه بالتقصير، ويسعى إلى أن يعتبر بأحسن ما يستطيع من مثل هذه الحوادث.
ثم بعد ذلك عليه أن يأخذ بالأسباب؛ لأننا نجد أن البعض يخلط بين التوكل على الله عز وجل في شأن هذه الأوبئة أو الأمراض عموماً، وبين الأخذ بالأسباب، والصحيح أن هذا الخلط ليس من الدين في شيء؛ فترك الأخذ بالأسباب – باختصار شديد – وإهمال الوسائل التي تعين على صيانة النفس وحفظ الصحة، والتمس الشفاء والعافية، هي ليست من التوكل على الله عز وجل في شيء.
بل إن التوكل على الله تعالى يعني أن يرضى العبد في قرار نفسه بما كتبه الله عز وجل، فلا يخشى شيئاً؛ لأنه في كنف رب كريم رحيم في حياته وبعد وفاته، ثم إنه يأخذ بالأسباب التي أمره بها، وفي صدارتها أسباب الوقاية أولاً، ثم أسباب التداوي، ثم أسباب منع انتشار هذه الأوبئة والأمراض في المجتمع من حوله.
إذ إن هناك ثلاث خطوات: الخطوة الأولى أن يأخذ بأسباب الوقاية؛ كل ما يمكن أن يقيه من الوقوع في الضرر أو الإصابة بالمرض فهو مأمور به، وفعلاً فنحن نجد أن أحكام شرع الله تبارك وتعالى في الطهارات، وفي العبادات، وفي غيرها، إنها في حقيقة الأمر توفر حماية لهذا الإنسان، توفر قدراً من الحماية، لا يعني أنه لن يُصاب، لكن مع حرصه على أدائها بالوجه الذي أمره الشارع بها، فإنه يقي نفسه كثيراً من هذه الأخطار.
نحن نعلم اليوم أن من أهم الوسائل التي تقي من مثل هذه الأوبئة غسل اليدين والمحافظة على الطهارة، فإذا بنا نجد أن مثل هذه الأوبئة تكشف لنا عن جانب من جوانب أحكام ديننا فيما يتعلق بالطهارة، فلا ينبغي لنا حينئذ أن نتهاون.
إذاً الخطوة الأولى تتعلق بالوقاية في المأكل والمشرب، وفي طهارة النفس والمكان، وفي نظافة المكان، وفي نظافة المواضع التي يرتادها، وفي حرصنا على منع إفسادنا في البيئة من حولنا، كل هذه إنما هي من أسباب الوقاية، وهي داخلة فيما تقدم بيانه في الجواب الأول من الأدلة الشرعية.
ثم إذا قدر الله عز وجل وأصيب الإنسان بالمرض، فلا ينبغي له أيضاً أن يجزع وأن يرتعد، لأن الإنسان عرضة للإصابة بالأمراض، فعليه أن يقوِّي من عزيمته، وأن يكون موصولاً بالله تبارك وتعالى، راضياً بقدر الله، آخذاً بأسباب التداوي والعلاج التي يقررها له أهل الاختصاص، حريصاً على التمسك بها، على التقيد بها قدر ما يستطيع.
ثم عليه أن يمنع أن يوصل هذا الضرر – إذا كان الوباء معدياً، إذا كان المرض معدياً – إلى غيره من الناس.
قد نذكر تفصيلاً: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في أعظم شعائر هذا الدين: «إذا سمع أحدكم النداء فلم يُجِب فلا صلاة له إلا من عذر».
قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: «خوف أو مرض».
إلى وقت غير بعيد كان الظن بأن عذر المرض الذي يبيح التخلف عن صلاة الجماعة يُقصد به مراعاة حال المريض نفسه، ولكن ما المانع من أن يكون من مقاصد هذا الدين بالترخيص للمسلم في عدم شهود الجماعات والجمعة – إن أصيب بمرض يمكن أن يكون معدياً أو مؤذياً لغيره – أن يكون من المقاصد أن يمنع الأذى عن غيره من الناس؟ تتحقق كل المقاصد المتعلقة بالنفس والمتعلقة بالآخرين.
موضع الشاهد هنا أن الصلاة عمود الدين، وأن الجماعة فرض – على القول الصحيح – على القادر المستطيع، ولكن مع ذلك نجد أن هذا الشرع الحنيف بسماحته رخَّص لهذا المصاب بالمرض – إن ثبتت إصابته أو كان حاملاً لهذا المرض في مرحلة يمكن أن يكون ذهابه إلى المسجد، أو أن يكون شهوده للجماعات والجمعة، مُضعِفاً لمقاومته للمرض، متسبباً في زيادة المرض عنده، أو أن يكون سبباً لنقل العدوى إلى غيره – فإنه مرخَّص له من شهود الجماعة والجمعة.
وقد يصل الأمر إلى ما هو أبعد من مجرد الترخيص، إن وصل الحال إلى أن يكون متسبباً في نقل عدوى لمرض خطير، مؤذٍ للناس، لأن هذا الدين يقوم على قاعدة نفي الضرر: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، لا ضرر يجلبه لنفسه، ولا ضرار يتسبب فيه لغيره من بني مجتمعه.
فإذاً هذا نموذج من الأحكام الشرعية التي قد يلتبس عند الناس أمرها، ويظنون – حرصاً منهم على أداء الواجبات الشرعية، وعلى إظهار شعائر الدين – فيتَعامَلون على أنفسهم، يذهبون إلى الجماعات، مع أن الأخذ بالرخصة في هذه الأحوال أولى لهم ولمجتمعهم.
هل في ذلك من حرج؟ لا حرج، لأن الحديث صريح في بيان هذا العذر.
وهذه – لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العذر – قال: «خوف أو مرض»، مع اختلاف الفقهاء في ثبوتها، والصحيح أنها ثابتة كما عند أبي داود والبيهقي، وصححها طائفة، إلا أن الفقهاء يتفقون على دلالتها؛ فلا يلتبس الأمر أيضاً على طالب العلم حينما يرى أن الخلاف في ثبوت هذه الزيادة في الرواية، أن الحكم المأخوذ منها – لأنها ثبتت بأدلة أخرى كثيرة – فقد رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحوال أيسر من هذا الحال، أيسر من أحوال انتشار الأوبئة؛ رخَّص في عدم شهود الجماعة كما في حالة المطر الشديد، كما في حالة الريح الشديدة، كما في حالة الخوف من الحرب.
بل في بعض روايات هذا الحديث المتقدم: إنه لما سُئل عن العذر قال: «الحَزَن أو المرض»، الحزن والمرض بدل قوله: «الخوف أو المرض»، واختلفوا في معنى الحزن: هل هو ما يتعارض مع السِّلْم – أي ارتفاع أسباب الأمن والسلم – فكنَّى عن الخوف بالحزن، أو غير ذلك من الأحوال.
لكن الحاصل أن شرع الله تبارك وتعالى جاء بهذه الرخصة حفظاً للنفس، وصوناً لها من انتشار الضرر والأذى في المجتمع.
وكذا الحال يقال فيما هو… يعني لنقص إذا كان هذا الحال في أمر الصلاة، فإن غيرها من المناسبات، من التجمعات في الأفراح والأتراح والأحزان، والتجمعات الاجتماعية والزيارات وصلة الرحم، هذه كلها يمكن تأخيرها، فلا يجد المرء في نفسه حرجاً من أنه لا يقوم بصلة رحمه، وأن هذا المرض يمكن أن يتغلب عليه، أن يتحمل على نفسه، ولعله يأتي من باب أن صلة الرحم قد تكون من أبواب البر التي تعينه على الشفاء؛ لا، ليس الأمر كذلك، طالما أن هذا مرض من الأمراض المعدية يمكن أن ينتقل إلى الآخرين بالملامسة أو بالرذاذ المتطاير، فعليه أن يكون حريصاً على ما فيه مصلحة إخوانه كما يحرص على مصلحة نفسه، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
والله تعالى أعلم.