⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا أمران في هذا السؤال، وهو سؤال غاية في الأهمية.
أولا: لي تعليق، الأمر الأول يتعلق بملاحظة حول مقدمة السؤال؛ فليس صحيحا أن الأقدمين من الفقهاء والعلماء والمفكرين الذين بحثوا وكتبوا في التجديد حَصَروا… واردًا في شيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استخدموه، ذلك أن هؤلاء العلماء والمفكرين يقررون أصلا أن حياة الإنسان بطبيعتها متجددة؛ فحركة الإنسان في هذه الحياة متغيرة، والوقائع التي يصادفها الإنسان متجددة، والمشكلات التي يواجهها أيضا هي متغيرة متجددة، وهم يسلمون أن هذا الدين أنزله الله سبحانه وتعالى لكي يستوعب حركة الإنسان في هذه الحياة إصلاحا، ووصلا بالله سبحانه وتعالى وربطا…
يصرحون أن مصطلح التجديد يتناول كل هذه المعاني ولا ينحصر في الفقه فقط، هذا شأن المتبحرين في العلوم، وسوف آتي إلى قضية: لم حُصِر في موضوع الفقه، وهي قضية جديرة أن يُوقَف عندها، لكن بدايةً لم يكن من شأن العلماء في تاريخ هذا الدين أن يتناولوا جانبا دون آخر من المجالات التي يمكن أن يكون فيها التجديد.
فمثلا في موضوع الخطاب: نجد كثيرا من تقريرات العلماء التي تتعلق بمخاطبة الآخر بحسب معطيات ذلك الواقع والبيئة والزمان والمكان الذي يوجد فيه ذلك الآخر؛ يتحدثون عن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فيقولون مثلا: إن الله عز وجل قرر قواعد في كتابه المبين، وهي أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تكون المجادلة بالحسنى… فهذه قواعد، لكن لغة الخطاب تختلف من بيئة إلى أخرى، وهم يقررون أنه ما قد يكون بلاغة في قوم في وقت من الأوقات قد لا يكون بلاغة في مجتمع آخر في زمان آخر، ذلك أن البلاغة هي الإيجاز في مخاطبة… في إيصال المعنى إلى المخاطَب.
فإذاً قد يكون –ولذلك هي نسبية– قد يكون الخطاب بليغا في قوم ولا يكون بليغا في القوم؛ لأن لسان ذلك القوم يختلف ومعطياته تختلف؛ لذلك هم يقررون… والإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: خاطِبوا الناس بقدر عقولهم، وبعضهم يرويه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا في جانب اللغة.
لكن في ذات القضايا التي يتعرض لها: لنتأمل مثلا بين أبان نشأة المذاهب الإسلامية، بين بيئة العراق وبين بيئة الحجاز؛ لذلك نشأت مدرسة أهل العراق ومدرسة أهل الحجاز؛ كانت طبيعة المشكلات التي ظهرت في بيئة العراق مختلفة، مما أوجد قضايا مختلفة عن تلك التي وجدت في بيئة الحجاز، ولذلك ظهرت مدرسة أهل العراق ومدرسة أهل الحجاز، ثم تطورت ليقال: مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي؛ لأن طبيعة الناس المخاطبين هناك في بيئة العراق… لما فُتِحت أراضي العراق كانت هناك شعوب من خلفيات ثقافية متعددة، من أعراق متباينة، من خلفيات ثقافية عديدة جدا، مما أوجد أنواعا من القضايا والمشكلات ومناهج في معالجة هذه القضايا والمشكلات تختلف عما كان موجودا –إلى حد واضح– عما كان موجودا في بيئة الحجاز بحكم طبيعة القضايا والبيئة والزمان والمكان.
أما في مسألة حصر فهم التجديد في قضية الفقه؛ في الحقيقة هذا من التراجع الذي حصل، من التراجع الحضاري الذي حصل لهذه الأمة؛ لأن العلوم الشرعية حُصِرت في الفقه فقط، كما أن علوم اللغة حُصِرت في النحو فقط، وهذا ليس بصحيح؛ فعُلوم الشريعة ليست فقها فقط، كما أن علوم اللغة ليست نحوا فقط. صحيح أن الفقه –بمعناه الذي نعرفه اليوم، أي علم الفقه– هو ركن ركين في علوم الشريعة، كما أن النحو أيضا ركن أصيل في علوم اللغة، إلا أن هذه العلوم لا تنحصر في هذين الفرعين فقط.
ولذلك كانت نتيجة البحث في التجديد أن حصر البعض مفهوم التجديد في الفقه، في حين أنه يشمل الخطاب والقضايا والتزكية، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.