⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن كلمة الخلق تُطلق على معانٍ متعددة، بل بعض هذه المعاني لا يليق بمقام الربوبية، بل لا يليق حتى بالصالحين؛ فإن من معنى الخلق الافتراء، كما في قول الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17]. نعم، ويُطلق الخلق على مطلق الصنع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]، فإن هذا الخلق إنما هو مجرد الصنع، وذلك أن عيسى عليه السلام كان يصنع من مادة الطين ما يشبه هيئة الطير، ولما كان الخلق هو الصنع فإن الله تبارك وتعالى يختص بهذا الصنع العظيم، وهو الإخراج من العدم إلى الوجود، فهذا الصنع مع تركيب الإنسان وتصويره وخلقه في أحسن تقويم هو من شأن الله سبحانه وتعالى، ليس ذلك من مقدور غيره.
فبما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يصنع هذا الإنسان، ويصنع من مادةٍ يصنع منها الناسُ مختلفَ المواد الأخرى أو الصناعات الأخرى وهي التراب، فهم يصنعون من التراب الآلات الخزفية أو الأشياء الخزفية، بينما الحق سبحانه وتعالى يصنع من هذا التراب الإنسان، فالله بذلك كان أحسن الخالقين؛ أي أحسن الصانعين، لأنه صنع من هذا التراب هذا الإنسان الذي طوّره طورًا بعد طور حتى خرج إنسانًا سويًّا فيه جميع مقومات إنسانيته؛ يسمع ويُبصر ويفكّر وينظر ويدبّر ويصرّف، فبهذا كله كان الله سبحانه وتعالى أحسن الخالقين.
أما الذين يخلقون مختلف المخلوقات المصنوعات الأخرى، فهم بطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى صنائعهم إلى مستوى الصنعة التي يصنعها الله سبحانه وتعالى بحال من الأحوال، ومهما كان فإن الخلق بمعنى الإخراج من العدم إلى الوجود، أي الخلق المطلق بهذا المعنى العظيم، لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25]، هذا أمر لا يماري فيه أحد سواء المؤمنون أو المشركون، الكل يعترفون بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي صنع هذا الكون والذي أخرجه من العدم إلى الوجود، بينما الإنسان يعمل ما يعمل ويصنع ما يصنع، ولكن صنعته تبقى في محدودية إنسانيته وفي محدودية مخلوقاته، فلا تخرج عن هذا الطور إلى أن تكون هذه الصنعة في مستوى إخراج الإنسان من العدم إلى الوجود. نعم.