⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، أما بعد، فالجواب هو أن الإحسان عرَّفه حديث جبريل الشهير الذي أتى فيه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسأله: ما الإحسان؟ فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذا يعني بلوغ ذروة الإخلاص لله تبارك وتعالى في العبادات التي يتقرب بها هذا العبد إلى ربه جل وعلا، وإتقان هذه الأعمال قدر ما يستطيع.
فاتقانه ذلك مع صدق قصده وإخلاصه لله تبارك وتعالى هو الذي يبلِّغه درجة الإحسان. وهذا يتأتى حينما يستحضر المكلَّف أن الله تبارك وتعالى مطَّلع عليه، لا تخفى عليه منه خافية، وأنه جل وعلا هو المقصود بما يتقرب به هذا العبد إليه، فهو غايته ومنتهاه، يسعى إلى نيل رضاه في كل دقيقة وجليلة من شؤونه، ويتجنب سخطه في كل أمر من الأمور، ويأتي بما كُلِّف به على خير ما يستطيع من وجوه.
فهو لا يقتصر على الحد الأدنى في صلاته، وفي صيامه، وفي زكاته، وحجِّه، وفي نوافله وقرباته وأذكاره وتلاوته لكتاب الله عز وجل وحسن معاملته للآخرين وأدائه للحقوق؛ لا يقف في هذه جميعا عند حدِّها الأدنى، بل إنه يجود ويتقنها ويتحرى فيها غاية ما يستطيع من كمال بشري، هذا هو الإحسان.
ولهذا استأهل هؤلاء المحسنون هذه المنزلة الرفيعة، وهي محبة الله تبارك وتعالى لهم، وأن يكونوا في ولايته وكنفه وعينه ورعايته جل وعلا، فهي منزلة عالية رفيعة يبلغها هؤلاء الذين يتحلَّون بهذه الأوصاف.
والله تبارك وتعالى لم يكلِّف العباد شططا، فحينما ننظر في كتاب الله عز وجل، في الآية التي يشير إليها السائل، نجد السياق القرآني يتحدث عن خصال هي في مقدور هذا الإنسان؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، وصفهم هنا بأنهم متقون، وأن هؤلاء هم الذين يحوزون هذا الفضل: جنة عرضها السماوات والأرض.
ثم بيَّن أفعالهم وخصالهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، فكأن أولئك المتقين الذين يتحلَّون بهذه الخصال هم المحسنون الذين يبلغون نعيم الله عز وجل في جنة عرضها السماوات والأرض.
ثم يستطرد السياق القرآني في بيان باقي صفاتهم، فيقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] إلى قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
فهذه صفات تعني أنه يمكن أن يصدر منهم شيء من الخطأ أو الخلل، ولكنهم سرعان ما يؤوبون إلى ربهم تبارك وتعالى معترفين بخطئهم، نادمين، تائبين، مستغفرين، فهذه الخصال هي في مقدور المكلَّفين.
ومع ما تقدَّم بيانه من حسن التوجه إلى الله تبارك وتعالى، والقصد إليه، والرغبة فيما عنده؛ فإن أمر الإحسان ميسور مقدور عليه بإذن الله عز وجل، وأن يستحضر المكلَّف وصية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فإن ذلك يذلِّل له الصعاب ويبلغه هذه الغاية، والله تعالى الموفِّق.