⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على الناس أن يفرقوا بين مسائل الدين ومسائل الرأي؛ فمسائل الدين هي كما قيل: أضيق من أَقْطِ التسعين، ومسائل الرأي هي أوسع من رحاب الفضا.
ولكن مع هذا ليس للإنسان أن يقتحم لُجَّة هذا الأمر فيقول في شيء بغير علم وبغير بينة، ولو كانت تلك مسائل الرأي، وإنما يُرَجِّح الأقوالَ من عَرَفَ الحجةَ فيما قال؛ فلا يجوز للإنسان أن يقول على الله تعالى ما لا يعلم، وقد قرن الله تعالى ذلك بالاشراك به، قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
فالقول على الله بغير علم ممنوع، إنما على الإنسان أن يكون حريصا على ضبط قوله؛ فهو ولو تحدث في القضايا الفرعية، وعَوَّل على الأدلة الشرعية فيها، إنما يلزم أن يكون خبيرا بهذه الأدلة؛ فمن الضرورة بمكان أن يكون عارفا باللغة العربية وتصريفها، وأن يكون عارفا بالبلاغة وما عسى أن يكون لها من أثر في خطاب الشارع، وكذلك أن يكون عارفا بأصول الفقه، وأن يكون عارفا بالسنة النبوية على صاحب أفضل الصلاة والسلام؛ معنى هذا: أن يكون ملما بمخصصات العمومات، ومقيدات المطلقات، ومبيِّنات المجملات، بمجموع هذا كله عندما يريد أن يدخل في هذا الأمر ويخوض فيه.
والتفريق بين مسائل الرأي ومسائل الدين يكون من حيث إن مسائل الدين هي مسائل نصية دلت عليها نصوص قطعية من حيث دلالاتها ومن حيث متونها؛ فدلالاتها قطعية لأنها دلالات نصية وليست دلالات ظاهرة فحسب، ومتُونُها قطعية لأنها رويت بالتواتر، وذلك كالقرآن الكريم؛ فإن القرآن كله متواتر، من فاتحة الحمد إلى خاتمة الناس، ليس حرف من حروفه غير متواتر، وكذلك ما تواتر من سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، والمتواتر هو ما رواه جماعة عن جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة، هذا هو المتواتر.
فعندما تُتَلَقَّى السنة المتواترة تكون نصية من حيث المتن، ولكن يُنظَر في دلالات القرآن وفي دلالات هذه الأحاديث المتواترة: هل هي دلالات نصية أو دلالات ظاهرة؟ فإن كانت نصية فهي قطعية، وذلك كدلالة الخاص؛ فإن الخاص هو قطعي الدلالة، وكذلك دلالة الخاص.
أما العمومات فهي ظنية لكثرة ما على العمومات من مخصصات، ما عدا عمومات معينة لا يمكن تخصيصها، إما لمانع العقل الذي يمنع من ذلك، وإما لكون الأمة أجمعت على أنه لم يَرِدْ عليها ما يخصصها، فلا بد من مراعاة هذه الجوانب كلها.
فالأدلة التي هي قطعية، مدلولاتها أيضا قطعية، تكون مسائل دين لا يجوز لأحد أن يتعدى القطعيات إلى غيرها، أما ما كانت دلالته عليه ظنية، سواء كون هذه الظنية من حيث المتن أو من حيث الدلالة، فإنها هي القابلة للرأي، ولكن مع ذلك لا يُقَدَّم المرجوح على الراجح، ولا يُترَك ما دل عليه الدليل إلى ما لم يدل عليه الدليل، والله تعالى أعلم.
ومهما يكن، فإن على الناس أن يتقوا الله، وأن يحسنوا علاج مشكلاتهم، وأن يحرصوا على النصح أولا؛ حتى لو كان الأمر يقتضي أن يكون هنالك موقف ضد المتنطعين، فإن ذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم واستفراغ الوسع في ذلك، والله تعالى أعلم.