⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى ما خلق الإنسان هملاً، ولم يتركه سدى، خلق الإنسان ليطلع بأمانة، وليقوم بواجب، وحدد له النهج الذي يسير عليه.
فالناس قد يفسرون الحرية بتفسيرات متعددة هي بعيدة كل البعد عن الطبيعة التي طبع عليها الإنسان، والفطرة التي فطر عليها، بل وهي بعيدة كل البعد عن مصالح الإنسان؛ فإن الإنسان لا يمكن أن يكون كالحيوان الأعجم يُرخى له العنان ليتصرف في حياته كيف يشاء. إن الإنسان خُلق خلقاً عجيباً، أُعطي القدرة على الاختيار، ولكن هذه القدرة على الاختيار إن أُرخي له الحبل فيها من حيث الحكم بحيث لم تُضبط هذه القدرة بضوابط فإن ذلك يؤدي إلى أن يتصادم اختياره مع اختيار الآخرين، وهذا مما يؤدي إلى التنازع، ويؤدي إلى التجاذب والتدافع، ويؤدي إلى سفك الدماء، ويؤدي إلى فتنة في الأرض كبيرة، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
الله سبحانه وتعالى ما ترك الإنسان هكذا، ولئن كان الحاكم – أياً كان، سواء كان ملكاً أو كان سلطاناً أو كان رئيساً أو كان أميراً – لا بد له من نظام يضبط به شؤون دولته، ويضبط به شؤون رعيته، ولا بد من أن يكون منصفاً ما بين رعيته بالعدل، وإلا وقعت المفسدة، ولا بد من أن يكف فساد المفسد منهم، ويقف بجانب المصلح؛ فكيف بالله سبحانه وتعالى، مع أن الكون كله مملكة الله سبحانه؟
نعم، إن الله سبحانه وتعالى فطر الكائنات الأخرى ما عدا الإنسان بفطر خاصة، فالكائنات الأخرى وإن كانت لها تأثير في هذه الحياة، ومنها ما هو ضار جداً كالسباع المفترسة والهوام وغير ذلك، لكن لم تُؤتَ ما أوتيه الإنسان من الملكات والقدرات. فلما كان الإنسان مختصاً بهذه الملكات والقدرات فإن هذه الملكات وهذه القدرات يجب أن تُضبط بضوابط، ويجب أن تُحدَّ بحدود، فلذلك أرسل الله سبحانه وتعالى رسله، وأنزل كتبه ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
فهذا لا ينافي حرية الإنسان، ولو أُرخي للإنسان الحبل على غاربه، وقيل له: أنت حر فيما تختار وفيما تفعل، لكان من جملة اختياره أن يستعلي في الأرض، وأن يفسد فيها، وأن يحاول أن يبطش ببني جنسه، وأن يحاول أن يظلم الناس، وأن يبغي في الأرض، ولكن هنالك ضوابط تضبط هذه الحرية التي منحها الحق سبحانه وتعالى للإنسان فطرة وشرعاً، فلا بد من الانضباط وفق هذه الضوابط.
على أن الأحكام الشرعية جميعاً هي أحكام نابعة من الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. نعم، هذه هي الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.
ثم إن الإنسان – كما هو معلوم – اجتماعي بفطرته، مدني بطبعه، فلا بد لهذا الإنسان من أن يكون منسجماً مع مصالح بني جنسه، بحيث لا ينظر إلى مصالح نفسه وحده. من الذي يقدر هذه المصالح؟ ومن الذي يزنها؟ إنما يزنها الحق سبحانه وتعالى الذي يعلم السر في السماوات والأرض، أما الإنسان بمعاييره ومقاييسه الأرضية فإنه لا يمكن أن يزن هذه الأمور، لذلك كان الواجب على الإنسان أن يُسلم تسليماً، وأن يرجع بأمره إلى دين الله تعالى؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.
هذا، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى جعل صلة الإنسان به تعالى هي الصلة التي تجعله يحرص على مصالح بني الجنس، فإن الإنسان إن آمن بالله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى محاسبه على ما قدَّم وما أخَّر، هذا الإيمان يجعله يستعلي على رغبات نفسه، ويستعلي على ضرورات حياته، ويستعلي على نزواته وطيشه حتى يكون متحكماً في أهوائه، سائراً في الدرب الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، ومعنى ذلك أنه يعود نفسه الطاعة المطلقة لله، بحيث يؤدي الواجبات.
والواجبات التي شُرعت في الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك مما يتعلق بصلة العبد بربه سبحانه وتعالى، أو الواجبات الاجتماعية على اختلاف أنواعها، كحقوق الواجبة على الولد لوالديه، أو على الوالدين للولد، أو على الزوج لزوجه، أو على الأخ لأخيه، أو على الجار لجاره، أو على القريب لقريبه، أو على المسلم للمسلم، هذه الحقوق بأثرها هي من ضمن الواجبات، فإذا أدى هذه الحقوق – والتي تجعل هذه الحياة تنضبط مع أداء حقوق الله سبحانه وتعالى – ولئن شذ أحد من الناس عن هذا الحق واستكبر، وعلا في الأرض، فإنه لا ريب يُرجع من ناحية الأحكام الشرعية، ويُرجع أيضاً بطريقة اجتماعية بحيث يكون مَقليًّا – أي مكروهاً – من المسلمين، وذلك هو البراءة.
فالحب في الله والبغض في الله من أقوى الروابط التي تربط بين الناس وتصلهم بالله سبحانه وتعالى، ومن أقوى عُرى الإسلام، ونحن نرى في كتاب الله سبحانه كيف أن الله عز وجل يحكي لنا قصة عبده نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وماذا كان بينه وبين ابنه؟ نادى نوح ابنه: يا بني اركب معنا، ولكن الولد رفض، وقال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فكانت نتيجة ذلك أن حال بينهما الموج فكان من المغرقين.
أخذت العاطفة الأب الحاني، وقال لله سبحانه: إن ابني من أهلي. وماذا كان الجواب؟ لم يُجامل، مع أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، بل أجيب بجواب حاسم في ذلك: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. ما هو سبب كونه ليس من أهله؟ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، معنى ذلك أن عمله كان عملاً غير صالح.
وقراءة الكسائي – وهو من القراء السبعة الذين تُعتبر قراءته متواترة – قراءة الكسائي: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ فقد قرأ بها علي، وقرأ بها أنس، وقرأت بها عائشة، وقرأ بها أبو هريرة – فيما أحسب – رضي الله تعالى عنهم، قرؤوا: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾. ومعنى ذلك أن العمل غير الصالح يجعل بين الإنسان فجوة بينه وبين الصالحين من عباد الله، فعلى من تجنب العمل الصالح وعمل العمل غير الصالح يجب على عباد الله الصالحين أن يَقْلَوه، ومعنى ذلك أن يتبرؤوا منه.
قد يقول قائل أو يزعم زاعم بأن ابن نوح عليه السلام كان على ملة غير ملة الإسلام، أي على غير ملة التوحيد التي بُعث بها أبوه، كان من الكافرين الخارجين من الملة، ولكن نحن إذا جئنا ونظرنا في دليل القرآن نجد أن سبب هذا الحكم الذي صدر من الله سبحانه وتعالى في حقه، حتى فُصل عن أبيه وجُعل ليس من أهله، إنما سبب ذلك العمل، فلو كانت هنالك عقيدة غير عقيدة الإسلام تلبس بها بحيث كان كافراً برسالة أبيه لكان ذلك أولى أن يُعلل به الحكم، لما عُلِّل الحكم بكونه عمل عملاً غير صالح، وإنما قيل لنوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، ثم عُلِّل هذا الحكم بقوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ في قراءة الجمهور، أو ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ في قراءة الكسائي.
ولا ريب أن هذا يعني أن هذا العمل الذي عمله هو علة هذا الحكم، ومن المعلوم أن «إنَّ» و«أنَّ» إنما يُؤتى بهما عندما تُعقدان جملة فيها حكم إنما لِتفيدان تعليل ذلك الحكم، وهذا واضح في كتاب الله، من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، و﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وكذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، هذه آيات من آيات مئات من الآيات تدل على هذا، تدل على أن «إنَّ» عندما تأتي بعد حكم من الأحكام فهي تفيد التعليل، وهذا الذي نص عليه أئمة العربية، كما ذكر ذلك الإمام عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة في كتابه «دلائل الإعجاز»، وذكر المحاورة التي كانت ما بين بشار بن برد الشاعر المشهور وما بين خلف الأحمر في هذه المسألة، ما يدل على أن ما ذكرته كان مشهوراً ومعروفاً عند البلاغيين، وكان معروفاً أيضاً عند أئمة العربية.
فإذاً من خلال ذلك نتبين أن البراءة أمر لا بد منه عندما يصر أحد على معصية الله، ولا يستجيب لدعوة الله سبحانه وتعالى، وأدلة ذلك من القرآن كثيرة؛ منها أن الله سبحانه وتعالى يقول في المؤمنين: ﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وليس من المعقول أن يكون إنسان كارهاً للفسوق، وهو مع ذلك يحب الفاسق، وأن يكون كارهاً للمعصية، ومع ذلك يحب العاصي؛ فإن كراهة الفعل تؤدي إلى كراهة فاعله.
ونجد أيضاً من أدلة ذلك الواضحة أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، وما دام الله تعالى لا يرضى عن الفاسقين فعلى المؤمن ألا يرضى عمن لم يرض الله سبحانه وتعالى عنه.
وهذا – على أي حال – لا بد أيضاً من أن يُضبط بضوابط؛ لأنه قد تكون أحياناً قضية فيها آراء للعلماء، عندما تكون قضية فيها آراء، ويكون أحد من الناس متمسكاً برأي عالم من العلماء بحيث لا يكون متبعاً لهواه، وإنما يكون متبعاً لدليل متأوَّل من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهنا تُعد المسألة هذه ليست من مسائل الدين، وتُعد من مسائل الرأي، ومسائل الرأي لا يُقطع فيها عذر المخالف، مسائل الرأي لا يمكن لأحد أن يقطع فيها عذر من خالفه، إنما هنالك مسائل الدين، ومسائل الدين هي المسائل التي عليها نصوص ثابتة، هذه النصوص قطعية المتون وقطعية الدلالة، لا بد من أن يكون النص الذي يفيد الحكم القطعي بنفسه قطعياً من حيث متنه، وأن يكون أيضاً قطعياً من حيث دلالته.
…
لا، هنا – كما قلت – القضايا القطعية غير القضايا غير القطعية، وكذلك أيضاً علينا أن نفرق؛ قضية البراءة لا يُتسرع فيها، القضايا التي للرأي مجال فيها لا يُتسرع فيها بالبراءة، ولكن أما إذا كان الإنسان مؤثراً هواه بحيث يركبها عشواء، لا يبالي أصاب أم أخطأ، لا يبالي: هل وصل إلى الحق وإلى الحقيقة أم ارتكس في الباطل وفي الوهم؟ هذا – على أي حال – ركبها عشواء، وبمثل هذا الاتجاه يُعتبر خارجاً عن حكم الله تعالى، متحدياً لشرعه، معارضاً لأمره.
والله تعالى أعلم.