⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فعلينا أن ندرك أن الإسلام هو في الحقيقة نظام رباني جاء من عند الله سبحانه الذي يعلم فطر البشر، ويعلم طبائع الوجود، ويعلم العلاقة بين الإنسان وبين كل ذرة من ذرات الكون، فجاء هذا النظام منسجما كل الانسجام مع هذه الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى البشر عليها، كما جاء أيضا منسجما مع طباع الكون، ومع ما تقتضيه العلاقة ما بين الإنسان المستخلف في الأرض التي هي جزء من الكون، والذي سخّر له ما في الأرض وسخّر له ما في الوجود، وبين سائر الكائنات.
وهو بطبيعة الحال إذا جئنا إلى حال الإنسان بحسب ما يقتضيه الإسلام، فإنما يعني إسلامه أن يسلّم نفسه لله، بحيث يسلّم روحه وجسمه وعقله وقلبه وضميره وغرائزه، وكل جزء منه لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١-١٦٣]. فالإنسان يؤمر أن يستسلم كلّه لله سبحانه وتعالى حتى يكون كل ما يصدر منه لله عز وجل، وأن تكون حياته لله ويكون مماته لله، هذا هو الإسلام الصحيح المطلوب من هذا البشر، وبه جاء جميع المرسلين، وختم الله سبحانه وتعالى رسالاته بهذا الدين ببعثة عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، بهذا الدين الذي جاء به النبيون على أتم وجوهه، وأوسع مداخله ومخارجه، وأدق أحكامه وأشملها.
هذا، ولا ريب أن الجانب المالي أولاه الإسلام عناية كبيرة، فهو وضعه الموضع الصحيح الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، بحيث لا يوَفَّر للمجتمع على حساب الفرد، ولا يوَفَّر للفرد على حساب المجتمع، بل الكل يأخذ حقه، فلا يُظلم الفرد بحيث يُحرم من التملك، كما أنه لا تُطلَق يده فيما تحت يده من مال بحيث يتصرف كما يشاء ويحرم الآخرين من منافع هذا المال، ففي المال حقوق مشروعة واجبة، كما أن اكتساب المال يجب أن يكون أيضا مؤطَّرا في الإطار الشرعي الصحيح، بحيث لا يكون فيه أي جانب من جوانب الظلم، فلا ربا فيه ولا غرر ولا احتيال ولا أي شيء من هذا القبيل، وجعل الله سبحانه وتعالى التعامل بالربا حربا بينه وبين المتعاملين، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩].
ودعا الإسلام إلى حسن الاستغلال في الوجوه المشروعة، فدعا إلى الإقراض قرضا حسنا، ودعا إلى الضرب في الأرض، وإلى استخراج منافع الأرض، واستخراج منافع الكون، فحيث ما يمكن أن تصل يد الإنسان للانتفاع بأي شيء في هذا الكون يده مطلقة في ذلك، مع مراعاة الجانب الشرعي، بحيث لا يكون ذلك على حساب العقيدة، ولا يكون ذلك على حساب الأخلاق.
ولا ريب أن البشر تعاموا عن هذا كله، وقد حصلت مشكلات للإنسانية من وراء ذلك، فعندما انفجرت الثورة الصناعية الكبرى في أوروبا وجد نظام الرأسمالية، وحصل ما حصل من إطلاق يد الفرد فيما يمكن أن تصل إليه يده من غير مراعاة لأي جانب من الجوانب، وهذا مما أدى إلى المشكلة الكبرى التي كانت بين أصحاب رؤوس الأموال وبين العمال، فانفجرت بسبب ذلك الثورة العمالية، الذين رأوا، نظروا إلى الشيوعية فحسبوها فردوسا منشودا، وظنوا أنهم سيجدون في خلالها كل راحة وكل طمأنينة وكل استقرار، وسيجدون جميع حقوقهم في ظلالها، ولكن الأمر كان بخلاف ذلك، فانقلبت الموازين رأسا على عقب، وأدّى الأمر إلى مشكلة عويصة عانت فيها المجتمعات التي وقعت تحت النظام الشيوعي ردحا من الزمن، حتى شاء الله سبحانه وتعالى أن يتلاشى ذلك النظام، لأنه اصطدم بصخرة الفطرة التي فطر الله تعالى الوجود عليها، فذهب هباء منثورا.
ولا ريب أن أولئك الذين كانوا يتبنون ذلك النظام ويقولونه ويعنون به صرّحوا بأن ذلك النظام نظام فاسد، وأنه لن يعود بالمصلحة على الناس، وقد آوى بعضهم إلى الإسلام وصرّح به بعضهم، فكان ممن آوى إلى ذلك جورباتشوف عندما قال في مقابلة فضائية في إحدى الفضائيات البريطانية بعدما سئل عن الشيوعية: هل يمكن أن تستمر في فيتنام، في الصين؟ قال: كلا، هي ميتة ولا يمكن أن تستمر. فقيل له: ما البديل؟ فقال: لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية، وإنما هو في نظام آخر، فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة. وقد قلت عقب هذا التصريح الذي صدر منه بأنه لا يعني بالحضارة الجديدة إلا حضارة الإسلام، فليست هنالك حضارة يمكن أن تحل مشكلات البشر إلا حضارة الإسلام.
ثم جاء بعد سنوات قليلة رئيس شيوعي راديكالي، وهو كاسترو، وصرّح بما أوْمى إليه جورباتشوف، فقال: ما بقي أمام العالم إلا النموذج القرآني، ومعنى ذلك أن على الناس أن يتكيفوا وفق ما تقتضيه تعاليم القرآن فيما يتعلق بالمال بل وفيما يتعلق بغيره أيضا. ثم وجدنا من الغربيين من يصرح بهذا، فهناك من عرف الحقيقة وآمن بها واتبعها، ومن بين هؤلاء من كان يسمى روبرت كرين ثم صار فاروق عبد الحق بعدما آمن وأسلم، الذي تحدث عن هذا الجانب، وبيّن كيف الحل الإسلامي لهذه المشكلة التي يعاني منها الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، ودعم كلامه هذا بكلام بعض الأمريكان الذين لم يسلموا، ومن بينهم الرئيس نكسون قبل وفاته، فقد أوى إلى هذا كذلك بريجنسكي، الذي نشر مقالا –وكان معروفا بعقيدة بريجنسكي– في صحيفة سيارة دورية في الولايات المتحدة الأمريكية تُعرف بهذا العنوان، أي بما تُرجِمته: "الرؤية الجديدة"، وجاء في تصريحه: إن الشعب الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسنّ للعالم قانونا أخلاقيا.
ثم مع هذا كله حلّل ما قاله هذا أحد الصحفيين في هذه الصحيفة، وهو ثان جولز، فوضع النقاط على الحروف، وبيّن كيف أن الحل يكمن في تعاليم الإسلام وفي أخلاق الإسلام.
هذا، وقد أبصر الذين نظروا ببصيرة القرآن وبنور القرآن وهدى القرآن إلى هذه الجوانب، وإلى ما يقع اليوم، وما وقع قبل ذلك بالنسبة إلى الشيوعية. نظر بعض الناس لهذا الذي يقع، وصرحوا به قبل عقود كثيرة من السنين؛ فالمفكر الإسلامي الكبير الأستاذ المودودي صرّح بهذا، وقد ذكرت كلامه أكثر من مرة، عندما قال إثر الحرب العالمية الثانية في خطاب ألقاه في بشاور، وقال في خطاب: سيأتي بلا شك اليوم الذي تتحير فيه الشيوعية في موسكو نفسها بدون أي مَلْجَإ، وتتعثر فيه الرأسمالية في واشنطن نفسها بدون أي منجى، وتهيم فيه المادية في جامعات لندن وباريس، وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمة والألمان، وإنما تبقى عبرة في التاريخ، قصة من يحمل عصا موسى تحت إبطه وهو يخشى من الحبال والخشب.
نعم، هذا الذي عايشناه ونعايشه؛ فقد عايشنا سقوط الشيوعية وانهيارها، والآن نعايش التأثر الذي تحدث عنه عن الرأسمالية، ونعايش كيف أن الذين يملكون الحل وهم بإمكانهم أن ينقذوا هذه الإنسانية الضائعة هم حيارى، والعجب أنهم يتحيرون مع أن أمامهم الدليل، وأمامهم الحجة، وأمامهم الحق، وأمامهم الهداية، أمامهم القرآن الكريم، فهم كمن يحمل عصا موسى تحت إبطه، وهو مع ذلك يخشى من الحبال والخشب، ذلك لأنهم بعدوا عن هداية القرآن.
فأمة الإسلام بيدها الحل، وبإمكانها أن تقدم هذا الحل إلى هذا العالم بأسره، بإمكانها أن تقول للعالم بأسره: هذا هو الإسلام، وهذا هو الحل، وهذا هو المنقذ، وهذا هو الملجأ، لا ملجأ غيره، لأنه هو الكنف الإلهي الذي يأوي البشر جميعا، فبإمكانهم أن يأتوا إليه ويجدوا في رحابه ظلا ظليلا، ويجدوا فيه ما تطمئن إليه نفوسهم وترتاح إليه ضمائرهم.
ولكن كلمة الإسلام تحتاج إلى تطبيق وعمل، فأمة الإسلام هي بحاجة إلى أن تصوغ حياتها صياغة ربانية وفق تعاليم الإسلام في الفكر، وفي الاقتصاد، وفي الأدب، وفي الثقافة، وفي كل جانب من جوانب الحياة، بهذا يمكن أن تقدم للعالم هذا الحل، وبهذا سيسعد هذا العالم.
ولا ريب أن العالم هو وقف حربا على الإسلام؛ حارب الإسلام، حاربه لا هوادة فيها، حارب الإسلام حربا عسكرية، وحربا ثقافية، وحربا سياسية، وحربا اقتصادية، ومن كل جانب من الجوانب أراد أن يصوِّر سُورا على الإسلام، ويمنعه من الانتشار، ويمنعه من الظهور، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢-٣٣].
ولعلكم تذكرون أنني قلت قبل بضع سنوات بأن النذر تؤذن بنهاية هذه الأوضاع التي شذت عن الفطرة، وخرجت عن المنهج السوي، وتنكرت للحق، وحاربت دين الله تبارك وتعالى، واستشهدت لهذا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٢-٤٥].
إن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى أولئك النذر، ولكنهم تماروا بالنذر، ولم يبالوا، فكم من عاهات، وكم من بلايا نزلت بساحتهم، منها الأمراض المعدية الفتاكة، حسبكم بمرض فقدان المناعة المكتسب، ومنها الجوائح المختلفة كالأعاصير والزلازل وغيرها، ولكن مع ذلك لم يستجيبوا لداعي هذه النذر، بل تصامموا عنها، وأصروا على ما هم عليه، وأخلدوا إليه، ففُتحت لهم آفاق العالم، إذ وطّأ العالم لهم أكنافه، وظنوا أنهم بلغوا إلى ما يطمحون إليه، فما بقي إلا أن يؤخذوا بغتة، وقد ذكرت ذلك، وهذا أوان هذا الأخذ، الأخذ بغتة.
فالله سبحانه وتعالى أرسل إليهم نذره التي تماروا بها ولم يبالوا بها، فكانت هذه العاقبة، وأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى اقتضت سنته أن كل من اغتر بشيء مما أوتيه في هذه حياته الدنيا هذه أن يكون هلاكه بذلك الشيء الذي اغتر به، ففرعون عندما قال: وهذه الأنهار تجري من تحتي، كان هلاكه بالماء الذي فاخر به وباهى به الآخرين، وكذلك هؤلاء كانوا نظروا إلى أنهم أمسكوا بزمام القوة الاقتصادية في العالم، وفرضوا مناهجهم الاقتصادية على العالم بأسرها، وصار العالم بالنسبة إليهم بقرة حلوب، هم ينعمون بحلبها في كل وقت، وإذا الأمر ينعكس، ولا يمكن الآن أن ينقذ الموقف إلا الإسلام.
فلذلك من منطلق واجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ومن منطلق ما يجب على المؤمن أن يحس به من الرفق بالإنسانية، أدعو هؤلاء إلى الإسلام دين الله تعالى الحق، والنظر في تعاليم الإسلام، والرجوع إلى القرآن، على أن يدرسوه دراسة ليست فيها عداوة، دراسة من يريد أن يستفيد لا من يريد أن يكيد، فإنهم بذلك سيصلون بإذن الله سبحانه وتعالى إلى الحل الأمثل، عندما يدركون أن الإسلام هو النور الذي جاء من الله سبحانه وتعالى لتبصير هذه الإنسانية، وهو الروح التي يحيا بها هذا العالم، هذا العالم المادي، فإنه لا يحييه الآن إلا الإسلام.