⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من الواجب علينا أن ندرك أن الإسلام جاء بإعمار الأرض ولم يأت بخرابها، ولذلك كان أينما نزل رحمة للناس. لقد افتتح الإسلام هذه الأرض الواسعة الأرجاء المترامية الأطراف، وكان مثالا في إقامة نظام العدل والمساواة بين الناس جميعا، وكان مثالا في إسعاد هذه الإنسانية، حتى إن الخليفة أمير المؤمنين بالمدينة المنورة كان يقول: لو عثرت بغلة في العراق، لخفت أن أكون عنها مسؤولا، لو عثرت بغلة في العراق في الطريق، لخاف أن يكون عنها مسؤولا: لماذا لم يُسَوِّ لها الطريق؟ وهذا معنى ذلك أن الإسلام جاء بإعمار الأرض، جاء بإعمار الأرض بالأخلاق، وجاء بإعمار الأرض بالقيم، وجاء بإعمار الأرض بالنظام الذي فيه العدل، وفيه المساواة، وفيه إعطاء كل ذي حق حقه من غير مراعاة لقُرْب قريب أو عداوة بعيد، أو محبة حبيب أو بُغض بغيض، وإنما العبرة بالحق نفسه.
هناك ميزان قِسْط: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. بهذا جاء الإسلام.
بينما وجدنا نحن الآخرين، هؤلاء الذين حملوا هذه الحملة على الإسلام، وحاربوه في عقر داره، وشدّوا في هذه الحرب الضروس التي شنوها على الإسلام، وجدناهم أنهم سعوا إلى خراب بلاد الآخرين، حاولوا أن يخربوا الآخرين، والله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن كل من سعى إلى خراب دار غيره جاء الخراب إلى داره، هذه حكمة الله، وهذا هو العدل الإلهي، فالله سبحانه وتعالى يجزي النفوس بما كسبت، هذه حكمة الله تعالى، وعلى الناس أن يعتبروا، والعاقل من اعتبر بغيره، والأحمق من كان عبرة لغيره، فلذلك يحرص العقلاء على أن يعتبروا بالآخرين.
فالموقف يقتضي منتهى العبرة، ومنتهى الفكرة: كيف وصلت الأمور إلى هذا؟ والله تبارك وتعالى المستعان. نعم، الإسلام جاء بالحل الأمثل في كل ناحية من النواحي. أولا من ناحية العقيدة: جاء الإسلام بالفكر الصحيح الذي يصل العبد بخالقه تبارك وتعالى، فيرى أنه في كل جزئية من جزئيات أعماله مطالب بأن يتصرف وفق شرع الله، وأن لا يخرج أبدا عن حدود شرع الله سبحانه وتعالى.
كذلك جاء ليعرّف هذا الإنسان بأن منقلبه إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى محاسبه على ما قدّم وأخّر، ومجازيه على ما فعل، إن فعل خيرا يُجزَ خيرا، وإن فعل شرا يُجزَ شرا، هكذا: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٩-٩٠]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
فإذا هذا الجانب جاء به الإسلام الكريم لأجل أن يكون الإنسان متهيئا للقاء الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح الذي يعمله. ثم جاء الإسلام بحل مشكلة الأخلاق، وأنزل الإنسان المنزلة الصحيحة التي يجب أن ينزلها، جعله خليفة في الأرض، وسيدا في هذا الكون، ولكنه مسؤول عما قدم وما أخّر، عليه أن ينضبط في كل شيء بضوابط الأخلاق الحسنة، ويدع جميع الرذائل، ما قلّ منها وما جلّ، ذلك ما قلّ منها وما كثر، وما دقّ منها وما جلّ ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بعث متمما لمكارم الأخلاق، وعندما وصفه الله تعالى وصفه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
فمن جميع هذه الجوانب جاء الإسلام بالحل الأمثل، جاء الإسلام بالحل فيما يتعلق بالعلاقات التي بين البشر أنفسهم، جاء ليفجر مشاعر الرحمة، ولا ريب أن المشكلة المالية محلولة في الإسلام من كل جانب من الجوانب.