⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بالنسبة إلى الطلاق الثلاث: إذا طلق الرجل زوجته بالثلاث، قال لها: أنت طالق بالثلاث، أو: أنت طالق ثلاثًا، أو ما شابه ذلك، وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، لكن القول المشهور الذي عليه الجمهور بأنه يقع ثلاثًا، بل حكى بعض العلماء إجماع الصحابة عليه رضي الله عنهم، إلا ما رُوي من طريق طاووس عن ابن عباس، مع أنه قد رُوي عنه من سبع طرق أخرى بأنه يقول بوقوع طلاق الثلاث، فعليه حكى بعض العلماء إجماع العلماء عليه، وهذا الإجماع في عصر الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وهو الذي ذهب إليه جمهور الأمة.
أما ما حُكي عن ابن عباس، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم، وقد رواه غيره أيضًا، بأن الطلاق كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه كان يعتبر واحدة، ثم بعد ذلك كان أو اعتبره عمر رضي الله عنه ثلاثًا؛ هذا الحديث ليس بصحيح، بل هو حديث ضعيف جدًّا.
هذا الحديث رواه ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه، سبعة من الرواة أو أكثر رووا عن ابن عباس ما يخالف ذلك، ثم إنه قد ثبت عن ابن عباس بأنه كان يقول بالثلاث؛ فهل يُعقل أن يفتي ابن عباس بخلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد أحسن ابن المنذر حيث قال: بأن هذا لا يجوز أن يُظن بابن عباس رضي الله تعالى عنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم الواحدة ثم يفتي هو بالثلاث.
أما قول من يقول: بأن العبرة برواية الراوي لا برأيه، أي أنه يعتبر برواية ابن عباس لا برأيه؛ ذلك في محل كان هنالك فيه احتمال: أن لو روى ابن عباس رضي الله تعالى عنه رواية لا يجري بها العمل هكذا، قد يقع بها العمل في نادر الأحوال، فيمكن هاهنا أن يقع النسيان أو الذهول لابن عباس عن روايته، قد تمر عشرات السنين لا تحدث هذه الحادثة، ثم تحدث، فينسى تلك الحادثة أو تلك الرواية التي رواها في هذه الحادثة فيفتي بخلاف ذلك؛ فيمكن أن يقع ذلك في حالات نادرة.
أما أن يقع كثيرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر وفي خلافة عمر، ثم يفتي ابن عباس رضي الله تعالى عنه بخلاف رواية النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا لا يجوز، ولا يمكن أن يُقال: إنه أخذ برواية ابن عباس بفعل عمر؛ كيف له أن يأخذ بذلك وهو يروي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك؟
وابن عباس رضي الله تعالى عنه في متعة الحج تشدد غاية التشديد، حتى قال: أراهم سيهلكون، أو ما شابه ذلك على اختلاف الألفاظ: أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال أبو بكر وقال عمر؛ فهنالك شدد هذا التشديد، أما هاهنا تُستباح الفروج، يتزوجها زوج آخر وهي لازالت في عصمة الأول! لا يُقال بأن المسألة اجتهادية، ليست باجتهاد ما دام هنالك حديث ثابت، والقوم ليست بينهم واسطة حتى يمكن أن يُقدح في ذلك الرجل أو ذلك الشخص الذي روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يُعلَّه بشذوذ أو نكارة أو بأي علة من العلل، هم أنفسهم يروْن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا بما لا يمكن.
فإذا هذه الرواية شاذة، على أنها مضطربة أيضًا، والكلام في اضطرابها يطول لا ندعو إليه الآن، ثم هل يمكن أن يخالف عمر رضي الله تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم، ويخالف ما فعله أبو بكر وما فعله هو أولًا في بداية أمره؟ عمر رضي الله تعالى عنه عندما همَّ بأن يبيع ما في الكعبة من الذهب والفضة قال له بعض الصحابة، أو أحد الصحابة بفاعل، قال: لِمَ؟ أو ولِمَ؟ قال: لن تُخالف صاحبك، أو لم يفعله صاحبك؟ قال: هما المرآن أقتدي بهما، أنكروا عليه حتى في ذلك، مع الفرق الشاسع بين هذه القضية وبين تلك القضية.
فكيف يُقال بعد ذلك… وهل يمكن أن يسكت الصحابة عن عمر وهم يرونه –حاشاه– يخالف شيئًا قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهذه الرواية من الأمور التي يقال: بأن الأمر يدعو إلى روايتها من طرق متعددة؛ لو خالف عمر لرواها جماعة كبيرة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا الأمر داعٍ للإنكار في هذا الأمر، وهذا على أمرٍ تقديري، وإلا فحاشا لعمر أن يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وضعَّف هذه الرواية جماعة من أهل العلم: منهم أحمد بن حنبل، ومنهم ابن عبد البر، ومنهم أبو العباس القرطبي، ومنهم ابن العربي، ومنهم ابن رجب وأطال في ذلك؛ فهي رواية باطلة.
… فإذا هذه الرواية الضعيفة –كما تفضلتم– تنهي ما أُشيع عن عمر رضي الله عنه أنه هو الذي أجراها ثلاثًا، حاشاه رضي الله عنه وأرضاه.