⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فإن هذه المسألة يُنظر فيها من وجوه:
الوجه الأول: هل هؤلاء العمال مسافرون أو معذورون بأي عذر من الأعذار؟ والعذر الظاهر هو السفر، إذ يستحيل أن يكون العذر هو المرض، لأنه في حال مرضهم يتعسّر أو يتعذّر عليهم أن يعملوا، فإن كانوا معذورين فلا حرج، وذلك بأن يكونوا مسافرين وقد أفطروا من أجل سفرهم، مع نيتهم القضاء عندما يعودون إلى أهلهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعذر المسافر والمريض، كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
وإن كانوا بخلاف ذلك، إن كانوا غير معذورين، فيُنظر أيضًا: هل هم مسلمون أو غير مسلمين؟ فإن كانوا مسلمين فلا يجوز أن يُعانوا على الفطر؛ لأنهم منتهكون لحرمة رمضان، بل إن كانوا مستحلّين للفطر في رمضان فهم في هذه الحالة يكونون مرتدّين عن الإسلام؛ لأنهم استباحوا ما حرّم الله سبحانه وتعالى وأسقطوا ما فرض.
وإن كانوا غير مسلمين فهنا المسألة يدخلها الخلاف، بناءً على الاختلاف في كون غير المسلم مخاطَبًا بفروع الشريعة أو غير مخاطَب. فمن العلماء من يقول بأنه مخاطَب بفروع الشريعة، وهذا هو القول الراجح الذي تعضده الأدلة؛ ذلك لأن الله سبحانه وتعالى توعّدهم على ترك الواجبات وفعل المحظورات، كما توعّدهم سبحانه وتعالى على الإشراك به، فقد قال سبحانه وتعالى فيما يحكيه من مسائلَةِ أهل النار، وإجابتهم عن سبب سلوكهم فيها: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 42-47]، فالله تعالى قال أولًا –فيما يحكيه عنهم–: لم نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، ولم نَكُ نُطْعِمُ المسكين، ثم حكى عنهم أنهم اعترفوا بأنهم كانوا أيضًا مكذّبين بيوم الدين، فهذا دليل على أن دخولهم في النار لتركهم الواجبات العملية، كما أن دخولهم في النار بسبب كفرهم بعقيدة الحق.
وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يخاطب بني إسرائيل في الكتاب الكريم، فيقول فيما خوطبوا به: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]؛ خاطبهم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والركوع مع الراكعين، مع أنهم لم يكونوا على عقيدة الإسلام، هم مطالبون أولًا بأن يتّبعوا هذه العقيدة.
وربما قال قائل: بأن هؤلاء لا يتأتّى منهم فعل هذه الأعمال مع بقائهم على خلاف الإسلام، فلا قيمة لصلاتهم، ولا قيمة لصيامهم، ولا قيمة لزكاتهم، ولا قيمة لأي شيء من الأعمال التي يأتون بها، فكيف يكونون متعبَّدين بذلك؟
والجواب: أن مثلهم كمثل الجنب والمحدِث مطلقًا؛ فإن المحدِث لا تصح منه الصلاة، ولكنه مطالب بالأمر جميعًا: مطالب بأن يصلي، ومطالب قبل ذلك بأن يرفع حدثه. فهؤلاء كذلك مطالبون بأن يتجرّدوا من الواقع الذي يحول بينهم وبين قبول أعمالهم، وذلك باتباعهم عقيدة الحق.
وعليه؛ لما ثبت أن غير المسلمين مطالبون بفروع الشريعة –كما هو القول الصحيح– ففي هذه الحالة لا يجوز أن يُساعَدوا على خلاف ما هو واجب عليهم. والذين قالوا بأنهم غير مخاطَبين بفروع الشريعة لا يمنعون من أن يُساعَدوا بإعطائهم الطعام أو الشراب.
والله تعالى أعلم.