⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، نحن لا نرى ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى أنَاط ذلك برؤية الهلال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وفي الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دلالة واضحة جلية ظاهرة بأنه لا بد من رؤية الشهر: «هكذا وهكذا وهكذا» ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وثبت أنه إن لم تكن هنالك رؤية أنه لا بد من إكمال شعبان ثلاثين يوما: «فأكملوا العِدَّة ثلاثين» أو «فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين»، فالحديث صحيح صريح واضح، لا خفاء فيه من أنه إن لم تكن هنالك رؤية لا يمكن الصيام، فلابد من الرؤية إذًا.
لكن بما أن علم الفلك قد تطوَّر في زماننا هذا فلا بأس، بل في بعض الأحيان لابد من الجمع بين الأمرين؛ مخافة وقوع الكذب من بعض الناس لأغراض مختلفة لا يخفى بعضها، إذ هنالك مصالح ولا داعي لذكر ذلك، وأيضا في هذا الزمان هناك بعض الأمور التي قد تتسبَّب في احتمال أن يتوهَّم بعض الناس بأنه قد رأى الهلال والأمر بخلاف ذلك؛ فإن قطع علم الفلك بأنه لا يمكن أن يُرى الهلال فلا يمكن أن نقول برؤية ذلك أو برؤية الهلال، ولو شهد عندنا اثنان أو أكثر، ونحن وإن كنا لا نجزم بكذب هؤلاء، ولكننا نقول: الأمر محتمل، يمكن الكذب من بعض الناس، ويمكن أن يكون قد اشتبه الأمر عليهم؛ رأوا طائرة أو رأوا مذنَّبا أو رأوا شيئا آخر، فتوهَّموا أنهم قد رأوا الهلال والأمر بخلاف ذلك.
مع ملاحظتي أنه لابد من أن يتيقَّن الإنسان بأنه قد رأى الهلال؛ فإن ظن ظنًّا بأنه قد رآه ليس له أن يشهد، لأن الأصل عدم الرؤية، ولا يمكن أن يُقال بمجرد الظن، فلابد أن يتحقَّق من ذلك؛ فإن رأى شيئا ظنَّ بأنه الهلال، ولو غلب على ظنه مثلا، فليس له أن يشهد بذلك، عليه أن يُخبِر غيره من الناس حتى ينظر، يقول: رأيت كذا؛ فإذا نظرت جماعة وشكَّت في ذلك فلا، فلابد من اليقين.
فإذا هنالك أمران: إما أن يقطع العلم الحديث أو علم الفلك بأنه لا يمكن أن يُرى الهلال، فهاهنا ولو شهد من شهد لا تُقبَل منهم تلك الشهادة، يمكن أن يكونوا قد أخطؤوا، ويمكن أن يكون هنالك احتمال أو احتمالات أخرى، وإما أن قال أهل الفلك بأنه تمكَّنَت الرؤية، فهاهنا نعم، لكن لابد من التمحيص والبحث.
فمثلا لو جاء في علم الفلك بأن القمر أو الهلال يمكث خمسًا وعشرين دقيقة بعد غروب الشمس، وأتى آتٍ وقال بأنه قد رأى الهلال، فينبغي هاهنا أن يُسأل: متى رأيت ذلك؟ فإن قال مثلا: رأيته في الساعة الفلانية بعد ثلاثين دقيقة –مثلا بعد ثلاثين دقيقة– فهنا في الواقع لم يَرَ ذلك، هذا شُبِّه له، وهذا قد يكون قد حدث في بعض الأحيان؛ يدَّعي بعض الناس بأنه قد رآه، وهناك يمكن أن يُرى الهلال، لكن متى يمكن؟ فقولُه بأنه رآه بعد ثلاثين دقيقة من غروب الشمس في واقع الأمر هذه الشهادة منه مخالفة لما قرَّره علم الفلك؛ لأن علم الفلك وإن كان قد قال: إنه يمكن أن يُرى الهلال، ولكنه قد حدَّد بأنه لا يمكن أن يُرى في ذلك الوقت، فهو يقول بأن الرؤية –عن علم الفلك– مستحيلة في هذا الوقت، فهذه الشهادة مردودة، ولو جاءت ممن اشتهر من الناس كثرة أو صلاحا أو ما شابه ذلك لاحتمال الخطأ والدخول، فلابد من البحث في هذه النقطة.
كذلك ينبغي أن يُسأل: في أي جهة رآه؟ أو ما شابه ذلك من الأسئلة؛ فإن قال بأنه رآه في الجهة الفلانية أو ما شابه ذلك، وعلم الفلك يقرِّر بأنه لا يمكن أن يُرى من تلك الجهة، فهذا قد شُبِّه له، اشتبه الأمر في حقه، ولا تُقبَل منه تلك الشهادة.
فإذا ينبغي أن يُنظر في هذا الأمر بكل جدِّيَّة؛ هنالك قد يلاحظ بعض الناس أن علم الفلك يقول بجواز أو باحتمال الرؤية في هذه الليلة، فإذا شهد شاهد لا يُسأل: متى رأيت ذلك؟ يقول: لأن علم الفلك قال بجواز ذلك أو باحتمال ذلك، وكما قلت: قد تكون هنالك أمور أخرى لاحتمال أنه شاهده في وقت يُحيله علم الفلك.
نعم، فالذين لا يلتفتون إلى علم الفلك قد وقعوا في أخطاء كبيرة جدا، وعلى كل حال: كل أحد له فتواه، وكل أحد مسؤول، نحن لا نتدخل في فتوى فلان أو فلان، وإنما نقول بما يظهر لنا ونرى الأدلة تؤيِّده.
كذلك بالنسبة إلى الذين ينظرون إلى الولادة مثلا، يغرب (الهلال) عند غروب الشمس أو بعد غروب الشمس بدقيقة أو دقيقتين أو ما شابه ذلك، نحن لا نأخذ بذلك؛ لأننا نجزم جزما بأنه لا يمكن أن يُرى في ذلك الوقت، وما دام الأمر كذلك فلابد من إلغاء هذا الأمر؛ لأن الله تبارك وتعالى قد خاطبنا بخطاب واضح في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم من أن ذلك مُعلَّق بالرؤية، فإذا لابد من أن تكون هنالك مدة كافية للرؤية.
أما من يقول بالاقتران أو ما شابه ذلك فهؤلاء نظروا إلى علم الفلك فقط، وهاهنا ينبغي للفلكيين ألا يتدخلوا في قضية دخول الشهر بأنه يدخل في الليلة الفلانية، وبأن اليوم الفلاني هو من شهر كذا أو ما شابه ذلك، وإنما ينبغي لهم أن يحددوا: بأنه يُولَد في الساعة الفلانية، ويمكن أن يُرى بالعين المجرَّدة أو بالوسائل العصرية –لكن تُشاهد العين في تلك الوسائل– وبأنه يمكن أن يُرى، أما أن يحددوا بأنه بمجرد اقترانه بالشمس، أو بأنه بعد دقيقة أو دقيقتين مثلا بعد الشمس هو من الشهر الفلاني، وقبل الشمس من الشهر الفلاني، هذا ليس لهم أن يتكلموا فيه.
على كل حال: ينبغي لكل صاحب علم أن يتكلم في فنه، وإلا فمن تكلَّم في غير فنِّه أتى بالعجائب كما قيل؛ فصاحب علم الفلك يتكلم في علم الفلك، وصاحب العلم الشرعي يتكلم في ذلك، وصاحب الطب يتكلم في الطب، والاقتصادي يتكلم في الاقتصاد، وهكذا بالنسبة إلى سائر العلوم.
نعم، لابد من أن يستفيد كل صاحب علم من غيره؛ فنحن –علماء الشرع– لابد أن نستفيد من الاقتصاديين في بعض العلوم الاقتصادية، لكن الاقتصادي لا يقول: هذا يجوز أو لا يجوز، هذا حلال أو هذا حرام، وإنما يكيِّف المسألة، يأتي بكيفية تلك القضية، وبعد ذلك صاحب العلم الشرعي هو الذي يحكم في تلك القضية: هل هي حلال أو حرام، أو ذلك الأمر مكروه أو مندوب أو مباح؟ وهكذا بالنسبة إلى علم الطب؛ بعض الأمور لابد من أن يُسأل الفقيهُ الطبيبَ المتخصص في ذلك الفن أو في القضية الفلانية مثلا، في قضية من القضايا، يسأل سائل صاحب العلم الشرعي: هل يجوز لي أن أعمل كذا مثلا؟ هل يجوز لي أن أُفطر؟ أو هل يجوز للمرأة أن تقوم بإسقاط ابنها أو ما شابه ذلك؟ قد يحتاج العالم الشرعي في بعض القضايا إلى الطبيب حتى يصف له ما هو الضرر الذي قد يصيب تلك المرأة، وما هو الضرر الذي يصيب ذلك الشخص إن استمر على صيامه؟ وما هو الذي يصيب الشخص الفلاني مثلا إذا لم يستعمل العلاج الفلاني أو ما شابه ذلك؟ وفي تلك الحالة يصدر ذلك العالم الفتوى عن الطبيب؛ فليس له ذلك إلا إذا اعتمد على قول عالِم يثق به، قال له بأنه إذا وقع كذا فليس له أن يصوم، أو كذا فله أن يصوم، أو كذا فله أن يستعمل العلاج الفلاني أو ما شابه ذلك.
ولكن للأسف أن كثيرا من أهل العلوم الأخرى لا يسمحون لغيرهم أن يتكلم في تلك الفنون –وهذا من حقهم فيما يتعلق بالفن نفسه– نعم، ولكنهم يتكلمون في القضايا الشرعية؛ فتجد بعض الأطباء يُفتي في القضية الفلانية بغير علم: يجوز لك أن تُفطر، يجوز لك أن تصوم، للمرأة الفلانية أن تقوم بإسقاط ابنها أو طفلها الذي في بطنها أو ما شابه ذلك، وتجد الاقتصادي يتكلم: هذا حلال وهذا حرام أو ما شابه ذلك، مع أن الله تبارك وتعالى قد شدَّد في ذلك غاية التشديد.
وهذه المسألة تحتاج –على كل– إلى كلام طويل، والوقت لا يسمح بذلك، نعم، لابد من أن نذكر بعض الأطباء وبعض الاقتصاديين إلى غير ذلك من العلوم الأخرى الذين يرجعون إلى أهل العلم، فهؤلاء مشكورون، والفقهاء لا شك بأنهم يستفيدون من علومهم.
والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.