مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تأويل خلق آدم

ما حكم تأويل بعض الكتّاب المعاصرين لقصة خلق آدم عليه السلام بأن البشر كانوا موجودين قبله وأن الله اصطفاه من بينهم ليرتقي إلى طور الإنسانية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: المسلم عليه أن يؤمن بالغيب، وإيمانه بالغيب يُبنى على الدليل الشرعي، لأن العقل لا يمكن أن يصله بالغيب، العقل له حدود، وعقل الإنسان كسائر طاقاته، طاقات الإنسان محدودة، حواسه كلها محدودة: بصره محدود لا يحيط بجميع المبصرات، سمعه محدود لا يحيط بجميع المسموعات، شمه محدود لا يحيط بجميع المشمومات، لمسه محدود لا يحيط بجميع الملموسات، وهكذا عقله، عقله لا يمكن أن يحيط بجميع المعقولات، إنما العقل طاقة محدودة، فلذلك لا يمكن أن تخترق هذه الطاقة الحجب وتنفذ إلى ما ورائها إلا من خلال أمر واحد، وهو الوحي، الوحي هو النافذة التي يطل منها الإنسان على الغيب، وما عدا هذه النافذة لا يمكن أن تكون أمامه نافذة. عقله عليه أن يتركه جانباً في هذه الناحية بحيث لا يلتفت إلى ما يمكن أن يدله عليه أو لا يدل، نعم، العقل يُستهدى به في فهم النص، أنا لا أقول بأنه يُعطَّل العقل تعطِيلاً تاماً ويترك جانباً، ولكن العقل في حدود دلالة النص، والنص يُنظر فيه. نحن نعتمد على نصوص القرآن، ونعتمد على نصوص السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، نصوص القرآن لا ريب في تواترها، نصوص الأحاديث النبوية ما كان متواتراً نجعله قطعياً إن كانت دلالته من حيث لفظه أيضاً قطعية، والقرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام جاءا بلسان عربي مبين، فلذلك لا بد من الاستهداء في معرفة دلالاتهما بالعربية وقواعدها وضوابطها، ومن لم يتقن العربية لا يمكنه أن يتقن فهم القرآن الكريم وفهم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فإذاً لا بد من التمسك بهذه اللغة، ودراستها، والاعتماد عليها في فهم مقاصد الكتاب العزيز، وفي فهم مقاصد الحديث الشريف. أما أن يُرخِي الإنسان لفكره العنان بحيث إنه يسلطه على الوحي فيأخذ من الوحي ما حلا له، ويترك منه ما لم يحل له، ذلك أمر هو سبيل الزندقة، وهو الذي يؤدي – والعياذ بالله – إلى الهلاك، وما هلك الهالكون إلا في هذه التصرفات، أولئك الذين ضلوا السبيل، وبعدوا عن الحق بسبب أنهم أخلدوا إلى هواهم، والعقل يتأثر بالمؤثرات النفسية والمؤثرات الاجتماعية، ومن جملة المؤثرات النفسية الهوى، فإن لهوى النفس أثراً على عقل صاحبه. … بالنسبة إلى قصة آدم لا يمكن إلا أن نأخذها كما جاءت في النص القرآني، الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يستخلف آدم أذِن للملأ الأعلى، أخبر الملأ الأعلى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ، فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا، وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا، فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ، وَقُلْنَا اهْبِطُوا…﴾. فإذاً آدم عليه السلام هو أول واحد يُخلق من هذا الجنس البشري، وأدلة ذلك أيضاً من الآيات الأخرى كثيرة؛ منها أن إبليس في مجادلته في أمر السجود حاول أن يستعلي على آدم، ويستكبر عندما أُمر بالسجود له، بحيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ، خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، لو كان آدم مخلوقاً بالتسلسل المعروف كما يُولد الأولاد من آبائهم وأمهاتهم حسب السنة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في ذريته من بعده لقال: «خلقته من نطفة»، ولما قال: ﴿خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، ثم ذَكَر من بعد قصة آدم، فإذاً خلق آدم إنما هو من صلصال من حمإ مسنون، خُلِق بهذه الطريقة، ولم يُخلق بالطريقة المألوفة التي صارت سنة في حياة ذريته من بعده. ثم لو كان آدم متسلسلاً من آباء كانوا يعمرون هذه الأرض لكانوا مستخلفين من قبل في هذه الأرض، وإنما اصطفاء الله تبارك وتعالى له إنما هو اصطفاؤه لأن يحمل رسالته سبحانه إلى أولاده؛ فآدم – كما هو قول جمهور أهل العلم – كان رسولاً خاصاً إلى ذريته، ولم يُعتبر رسولاً عاماً كسائر الرسل؛ لأنه لم يُرسل إلا في محيط أسرته، كانوا متعبدين بشرائع، ولم يكن الله سبحانه وتعالى يَمْلُهم، أما نوح فهو رسول، أول رسول من رسل الله سبحانه وتعالى بُعث إلى من كان في الأرض في حياته، هذه الرسالة خرجت عن محيط ذريته فقط، كان مرسلاً إلى البشر الموجودين الآخرين، لأنه لم يكن هو وذريته وحدهم من البشر، أما آدم فكان هو وذريته وحدهم من البشر الموجودين في هذه الأرض بعد أن كانت له ذرية فيها. ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى احتج على النصارى في كتابه العزيز الذين قالوا بألوهية المسيح عليه السلام لأنه خُلق من غير أب، قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فآدم لو كان خُلِق بهذه الطبيعة المتسلسلة المعروفة في ذريته من بعده لما كان هناك معنى لهذا الاحتجاج على النصارى؛ فإن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن كون عيسى عليه السلام خُلق من غير أب لا يعني ذلك أنه إله، خُلِق أيضاً هو من أم، هناك من سبقه وهو آدم، خُلق من غير أب ومن غير أم، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، يعني بأن الله سبحانه وتعالى بإرادته صرفه وفق السنة التي أرادها وخصه بها، هذه السنة لم تشمل الآخرين من هذا الجنس. وكذلك عيسى عليه السلام كانت له سنة خارقة، وكان له ناموس خارق في حياته، خرج عن ناموس سائر البشر؛ إذ وُلِد من غير أب، والله تعالى يفعل ما يشاء، فالسنن التي سنها في هذه الحياة ليست هي مضطردة عندما يريد الله سبحانه عدم إطرادها، إنما هي تطرد في حدود إرادته تعالى لإطرادها، وإلا فالله سبحانه وتعالى يخرق هذه النواميس، ويبدل هذه السنن، وكان من تبديل ذلك خلق آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق عيسى عليه السلام من غير أب. فالأمر ليس كما يقول هؤلاء، وإنما دخلت أفكار على الناس، وتأثر المتأثرون في العصور المتأخرة بأفكار وافدة من غير المحيط الإسلامي، وكثير من هذه الأفكار اصطدمت حتى مع العلم الحديث، من بين هذه الأفكار فكرة النشوء والارتقاء التي نادى بها داروين، وما كانت مناداته بها إلا لأنه وقف أمام لغز معمى لم يستطع أن يعرف له حلاً، وهذا لأنه بعيد عن هدى الله سبحانه وتعالى، ولو كان مستهديًا بهدى الله تعالى لوجد الحل لهذا اللغز، لم يدرِ كيف وجود الإنسان، فأخذ يفسر هذا التفسير البعيد، بحيث إن الإنسان يتطور، وإن الكائنات تتطور من طور إلى طور، فأصل ذلك أن الإنسان خُلق من القِرَدة، وتطورت القردة طوراً بعد طور حتى تكوَّن منها الإنسان. هذا كلام مردود، وقد وُجد أن الداروينيين أنفسهم اعترفوا بأن هذه النظرية ليس لها ما يدعمها من الأدلة، وليس لها من فرض الصحة إلا بمقدار الواحد في المليار، ولكن الناس يَهرَعون بكل جديد، ويريدون أن يتعامَوا عن الحقيقة. على أي حال، مصادمة النصوص أو الخروج عن مقتضى النصوص هي أول خطوة من خطوات الزندقة – والعياذ بالله تعالى – فعلى الناس أن يتداركوا أمرهم قبل أن يصل بهم السلوك في هذه الدروب الملتوية إلى متاهات وقفار لا يستطيعون الخروج منها. … ومما يدل على أن آدم غير مسبوق بأحد من جنسه، وإنما هو أول هذا الجنس على هذه الأرض أن إبليس – لعنه الله – لما توعَّده ماذا قال؟ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهكذا نجده يتوعد آدم عليه السلام ويتوعد ذريته أيضاً، بأنه سيُضلهم، هذا التوعد دليل على أن كل الجنس البشري إنما هو من ذرية آدم، وإلا فكيف يتوعد ذريته فقط مع أن إضلال كل الجنس البشري بسبب إبليس؟ فلماذا يتوعده ويتوعد ذريته، ولم يتوعده ويتوعد جنسه؟ هذا من الضلال والفساد في الأرض، التطاول على الله سبحانه وتعالى؛ هؤلاء أصيبوا بأمراض نفسية، وعُقد استحكمت في نفوسهم، فيريدون أن يظهروا بأي مظهر كان، يريدون أن يكونوا مجددين، وأن يكونوا مخترعين، وأن يكونوا مبتكرين، وهذا داء في النفوس – والعياذ بالله – يؤدي بالإنسان إلى أن يتيه، وأن يخرج عن حدود الاعتدال. ما دامت نصوص قرآنية واضحة صريحة، كيف لا يؤثر الخوض في هذا في عقيدته؟ نعم، يُبعِد عن الإنسان عقيدة الإسلام. الإنسان لينظر فيما يأخذ به وفيما يستمسك به، أَيستمسك بأوهام الناس الكفرة الضالين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟ أيكون أولئك حجة على القرآن، ولا يكون القرآن حجة عليهم؟ ونحن نؤمن بأن القرآن هو كلام الله، أنُصدِّق هذه الأوهام التي جاءت من خيالات هؤلاء الناس؟ هؤلاء يتخيلون، على أي دليل يعتمدون؟ هل عايشوا الحضارة في أطوارها، وعلموا أن الإنسان كان عارياً، وأنه كان كذا وكذا وكذا؟ لا، ليس هنالك من دليل على هذا. وبجانب ذلك أيضاً نجد النصوص القرآنية واضحة صريحة ضد هذا الذي يقولونه، الإنسان من أول ما خُلق خُلق مستخلفاً في هذه الأرض، ثم إن الله سبحانه وتعالى بعد ما ذكر قصة آدم في سورة الأعراف أربع مرات يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، هذا مما يدل على أن الكل بنو آدم؛ لو كان هذا القرآن خاصاً بطائفة من البشر وليس عاماً لجميع البشر، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ويقول: ﴿لِكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، يكون القرآن خاصاً بطائفة من البشر؟ فلو كان هناك بشر من غير بني آدم لما خُصَّ بهذا الخطاب بنو آدم وحدهم. والله تعالى المستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 9 مشاهدة
🎬

فتاوى - الشيخ أحمد الخليلي - ليلة 28 ربيع الأول 1428 هـ

العقيدةالقرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

وجود مخلوقات قبل الإنسان

2 👁

هل يوجد دليل على مخلوقات تشبه الإنسان قبل خلقه، ومن المقصود بالمفسدين في الأرض في آية الخليفة؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١١‏/٦‏/٢٠١٧

حكم نظرية التطور

2 👁

ما رأيكم في نظرية التطور، وهل يجوز التصديق بها مع وجود من يقرها من العلماء والمشايخ؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٧‏/٩‏/٢٠٢٢

تصور الإنسان الأول

2 👁

هل كان الإنسان الأول بدائيًا عاجزًا عن صناعة حضارة، وما هو التصور الصحيح للإنسان الأول في ضوء القرآن؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١١‏/٦‏/٢٠١٧

حكم الإيمان بنظرية التطور

6 👁

ما رأيكم في نظرية التطور المنتشرة بين بعض العلماء والمشايخ، وهل يجوز التصديق بها والإيمان بها؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩‏/١٠‏/٢٠٢٣

حكم الإيمان بنظرية التطور

6 👁

ما رأيكم في نظرية التطور مع وجود بعض العلماء والمشايخ من يقر بها، وهل يجوز التصديق بها؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩‏/١٠‏/٢٠٢٣

إخبار الله بخلق آدم

2 👁

إخبار الله تعالى ملائكته بخلق آدم: هل كان مجرد إخبار، أم استشارة تكريمية، أم تهيئة للاحترام لهذا المخلوق الجديد؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٧‏/٥‏/٢٠١٣