⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن خلق آدم، وخلق الجنس البشري من خلال خلقه، إنما هو حدث عظيم؛ لأن هذا المخلوق أراده الله تعالى أن ينوء بتكاليف، وأن يتحمّل واجبات، وأن يكون قائمًا بدور الخلافة في بقعة مهمّة في هذا الكون، في الأرض التي جعلها الله تعالى مُتنزَّلًا لرسالته، ومكانًا لامتثال أمره والانزجار عن نهيه، ولاختبار خلقه. فالإنسان استُخلِف في هذا المكان، وقد أذِن الله تعالى للملأ الأعلى بهذا النبأ العظيم، قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً * قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
لا ريب أن الله تعالى ليس بحاجة إلى استشارة أحد، أو إلى عرض قضية ما على أحد، وإنما هذا أمرٌ أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون فيه اختبار لهؤلاء الملائكة، ليَحْصَحِصَ الحق ويتجلّى: هل هم جميعًا على حسب أمر الله، أو أنه اندرج فيما بينهم من يحمل في نفسه أيَّ عزمٍ على مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وهو إبليس الذي كان مُندَسًّا فيما بينهم.
لا ريب أن هذا الحدث هو حدث عظيم، هذا الحدث ساقه الله تعالى في هذا السياق الذي يوحي ظاهر لفظه أن كلام السياق مساقُ مشورة، وليس هذا في الأصل الغرض من هذا السياق، ولكن مهما كان أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيّن أن هذا الإنسان الذي سيُوجَد في هذا الكون، ويُخلَق ليكون خليفة في هذه الأرض، هذا الإنسان هو كائن اجتماعي، حياته تتوقّف على التداخل والتشارك، والأخذ والرد، والقبض والبسط، والعطاء والمنع، والسِّلْم والحرب… سيكون هناك ما بين أفراد هذا الجنس من ذرية هذا الإنسان الأول الذي خلقه الله تداخل يؤدي إلى هذا كله.
ولا ريب أن الناس مطالبون أن يمتثلوا أمر الله، وأن ينزجروا عن نهيه، وأن يلتزموا الحق، هذه الجماعة التي تلتزم هذا الأمر هي بحاجة فيما بينها إلى التشاور لأجل نُضج الفكرة حتى تتبيّن المصلحة أين هي، ويُوضَع الأمرُ وهم يتحمّلون تبعاته جميعًا، عندما يدلِي كلُّ أحدٍ منهم برأيه، ثم تجتمع هذه المجموعة على قبول رأي معيّن، وترجّح رأيًا معيّنًا بحيث يتراءى لهم أن هذا هو الرأي الأرجح، الكل يتحمّل تبِعة هذا الرأي، تبعة هذا الأمر.
فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يؤذن الملائكة بأن هذا الإنسان هو بحاجة إلى أن يتشاور مع بني جنسه، وقد أراد الله سبحانه وتعالى –بجانب هذا التكريم العظيم الذي كرّم به هذا الجنس البشري من خلال إيذان الملائكة بأن الله تعالى خالقه– أراد الله مع ذلك أن يُحِسَّ هذا الإنسان أنه بحاجة إلى التشاور، بحاجة إلى الأخذ والعطاء مع بني جنسه، لا يستقلّ أحدٌ برأي عن الآخرين، ناهيكم أن الله سبحانه وتعالى جعل الشورى ما بين إقام الصلاة والإنفاق من رزق الله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38]؛ أمرُهم شورى، يتشاورون فيما بينهم، ومع ذلك يُنفِقون.
فإذاً أمر الشورى ليس بالأمر الهيّن، الناس مطالبون بأن يلتزموا هذه الشورى، وبها خلاصُ هذا الإنسان من عاقبة الاستبداد؛ عاقبة الاستبداد عاقبة سيئة، لو استبدّ كلُّ أحدٍ برأيٍ لأدّى ذلك إلى تصادم كبير بين الناس، ولكن عندما يلتقون ويتشاورون ويتناصحون فيما بينهم تكون حصيلة هذه الشورى هي فائدة كبيرة للكل، لكل من أخذ بها.
نعم.