✓ تم نسخ الرابط
حقيقة تلبس الجن بالإنس
ما الموقف الشرعي من مسألة دخول الجن في جسم الإنسان وتلبّسه به، وما دلالة النصوص على ذلك، وهل الأصوات التي تسمع على ألسنة المرضى تعد دليلاً قاطعاً على هذا التلبّس؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نحن علينا أن نؤمن قبل كل شيء أن الجن هم شريحة من الخلق كالإنسان، بأنفسهم معرَّضون لما يُعرَض للإنس من الخوف والأمن والصحة والسقم، وجميع الأحوال التي يتعرّض لها الإنسان، إذ الجن ليسوا كالملائكة، وليسوا أيضًا كالحيوانات، هم شريحة مكلَّفة تُطْلع بأمانة العبادة، عبادة الله تعالى، بدليل النص القرآني الصريح: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 57-58]، وهم يأكلون ويشربون ويتناسلون كما توحي بذلك الآيات القرآنية وتدلّ على ذلك الأحاديث النبوية.
فالجن إذًا هم خَلْق من خلق الله سبحانه وتعالى، فلا ينبغي أن نتصوّر الجن تصورًا مهولًا بحيث نُسنِد كل شيء إليهم، على أن الله سبحانه وتعالى بيّن أن الجن لا يعلمون الغيب، هذا أمر قطعي، فإنهم بما أنهم من خلق الله تبارك وتعالى لا يشاركون الله سبحانه وتعالى في صفته الخاصة به، فهم لا يشاركون الله تعالى في كونه علّام الغيوب.
والجن نصّ القرآن الكريم على أنهم لا يملكون أيضًا شيئًا مما يعود إلى أمور البشر، فالله سبحانه وتعالى يحكي عن الجن أنفسهم، عن المؤمنين منهم أنهم قالوا: إنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا؛ رجال من الإنس الذين كانوا يعودون برجال من الجن ما زادوهم إلا رهقًا، يعني كونهم يعوذون بهم وتركوا العياذ بالله ولجؤوا إلى العياذ بالجن أدى بذلك إلى أن زادتهم الجن رهقًا.
فنحن على أي حال علينا أن ندرك بأن هؤلاء الذين يتشبثون بالجن ويعوّلون بهم ويرجعون إليهم لن يَزيدوا إلا رهقًا بدليل هذا النص، وبناءً على ذلك أنا أرى أن هذا التشبث بالجن، وهذه الهالة حول حياة الجن وحول طبيعة الجن وحول أعمال الجن، هذه الهالة الكبيرة التي وضعها الناس حولهم، هذه الهالة هي التي جعلت الإنس يقعون في بلبلة. عندما تنعدم هذه الهالة لا ريب أنه لا يبقى هناك شيء من الأوهام، فلا يجد الشيطان ولا يجد أي أحد من شرار الخلق سبيلًا إلى الإنسان.
وكما تفضلتم: المعتزلة يقولون بعدم دخول الجن في جسم الإنس، ويقولون أيضًا بأن الجن عالم كَتَب الله تعالى عليه ألا يُرى، فلذلك لا يُرَون، فلأجل ذلك ينشأ أطفالهم وهم بعيدون عن هذه الأوهام، بعيدين عن هذه التصوّرات، وهذا ما ذكره الكاتبون عنهم بأن المعتزلة من طبعهم أنهم لا يُروَّعون بمثل هذه الأشياء، لأنهم لا يصدّقونها، فطفئت بأشباح من الجن تتراءى للناس، ولا يُروَّعون أيضًا بأن الجن يضرّون، أو أن مرّوا في طريقٍ تعرّضوا للضرر، إلى غير ذلك من هذه الأمور، ليس هنالك ترويع.
ومما يُذكر أن رجلًا من المعتزلة دخل بيته لصٌّ ليسرق، فشعر به صاحب البيت، ولما شعر به حاول هذا اللص أن يوهم صاحب البيت بأنه جني، فجاء إلى بئر ونزل فيها، فتبعه صاحب البيت، فناداه: لكم النهار ولنا الليل، فأخذ صخرة ورماه بها في البئر، هذا مما يدل على أن هذه الأوهام لا تدخل في نفوس المعتزلة، لا تتقبّلها عقولهم، فلذلك عاشوا بعيدين عن هذه التصوّرات وبعيدين عن هذه الأوهام.
بينما المجتمعات التي تعشّش فيها هذه الأوهام تلد هذه الأوهام بنفسها أمراضًا، هذه الأمراض تُتصوَّر أنها من الجن، الآن نحن نرى في مجتمعاتنا هذه كل شيء يُرَدُّ إلى الجن؛ لو أصابت الإنسان حشرجة في حلقه فإنه يقول بأن به مسًّا من الجن، ولو أصابته حُمّى يقول بأنه به مسّ من الجن، إن وجعته ركبَتاه، وقد يكون شيخًا كبيرًا بلغ من الكِبَر عتيًّا، يقول بأن به مسًّا من الجن، وجع بطن يصيبه يقول بأن سببه مسّ من الجن، زكام يصيبه يقول بأنه بسبب مسّ الجن، وجع صدر يقول بأنه بسبب مس من الجن، كل شيء يُعادِي إلى الجن، كأنما الإنسان خُلِق بريئًا لا يمرض ولا يُصاب بلهٍ من العلل، مع أن طبيعة الحياة أن فيها الصحة والسقم، وفيها القوة والضعف، وفيها الراحة والنكد، هذه طبيعة الحياة:
جُبِلَتْ على كدرٍ وأنت تريدها
صفوًا من الأقذار والأكدار
على أن الإنسان لا يمكن أن يعيش شيخوخته كما عاش شبابه، فهناك فارق ما بين مرحلة الشيخوخة ومرحلة الشباب، لذلك يتباكى الناس على شبابهم عندما يجاوزون هذه المرحلة لما يتمتع به الشاب من الفتوة، وقد يُصاب الإنسان بأمراض الشيخوخة فإذا به يرد كل شيء إلى الجن، الأطفال عندما يُصابون بالأمراض يُرد ذلك إلى الجن، هذا بسبب أن هذه الأوهام أصبحت تعشّش في أدمغة الناس لتقبّل الناس لها.
ومما يُؤسَف له أن كثيرًا ممن يعالجون الناس يوسّعون دائرة هذه الأوهام، فكثير منهم يحاولون أن يغرسوا في النفس المزيد من الأوهام، قد يذهب أحد إلى أحد من هؤلاء، سرعان ما يقول له: هذا المرض ما أُصِبتَ به إلا بسبب مسّ من الجن، وقد يتجاوز بعضهم ذلك إلى الدعاوى العجيبة، بحيث يقول: إن جنيًّا مررتَ به في المكان الفلاني أو عثرتَ به أو عَصَبْتَه في كذا، وإن هذا بسبب هذا المس من الجن، وهذه الأوهام تخلق في النفس أوهامًا أخرى، تتوالد الأوهام، فإذا بالإنسان هذا يتصوّر أنه في وقت من الأوقات مرّ بمكان ما وأحسّ بجسم غريب يلامس جسمه إلى آخر ما يحدث.
وبسبب هذا انتشرت هذه العلل والعياذ بالله، وكثرت هذه الأدواء، منشأ ذلك كله إنما هو من الوهم ومن عدم التعلق بالله سبحانه وتعالى، على أن الإنسان مأمور أن يعوذ بالله سبحانه وتعالى وحده.
ثم بجانب هذا أيضًا مع كثرة هذه الأوهام: الشيطان وما أدراك ما الشيطان، فإنه يتربّص بالإنسان الدوائر ويحاول أن يستغلّ كل لحظة من لحظات الإنسان التي يمرّ فيها بمثل هذه التصوّرات الخاطئة وبمثل هذه الأوهام ليغرس في نفسه مفاهيم تُبعِده من الله سبحانه وتعالى، وتجعله يصدّق هذه الأوهام، وبسبب ذلك يحصل ما يحصل، وأنا لا أستبعد أن يكون الناس هيّأوا أنفسهم للشياطين، وبسبب هذه التهيئة للشياطين الشيطان يضحك عليهم، ونعلم أن للشيطان قوّةً شريرة وطاقَةً نارية والعياذ بالله، عكس طاقة الملك؛ طاقة الملك طاقة نورانية، والملك قوة خيّرة وليس بقوة شريرة، هذه القوة الشريرة التي في الشيطان تتلبّس بالإنسان، وهي قوة روحانية ليست هي قوة جسدية، ليس هنالك دخول جنيٍّ في إنسي، وإنما إيحاءٌ من الشيطان إلى الإنسان، فيتحدّث بحسب ما يُملي عليه الشيطان.
قد يتحدث إنسان باسم شيخ من الجن، أو يتحدث باسم أحد، وقد يقلّد تقليدًا حسب الإيحاءات التي يوحيها الشيطان من خلال هذه الطاقة النارية التي عنده، هذه الطاقة التي تتلبّس بنفس الإنسان، فالقضية قضية نفسية، والشيطان يستغلّ هذا الضعف الذي في الإنسان، ويستغل هذا الانحراف الفكري الذي في الإنسان، يُرديه في هذه المتاهات ليجعله بعيدًا عن تصوّر الحق.
إذًا فالقضية ليست قضية دخول جسم في جسم، أنا أستبعد أن يدخل الجسم في جسم، وإنما القضية هي قضية تلبّس روحاني بسبب هذه النفس الضعيفة التي أثّرت عليها الأوهام، أن تكون هنالك إيحاءات شيطانية لهذه النفس فيتحدث الإنسان كما يُملي عليه الشيطان.
وأما التفسير الواقعي، ليس هناك نصّ يدلّ، نعم، أما قول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]، فليس هو نصًّا في الموضوع، لأن كل ما يمكن أن يُفسَّر به ما يتفق مع قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: 200]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].
وما يحدث إذًا من صوت على لسان ذلك المريض، هذه إيحاءات، أنا أتصورها هذه إيحاءات لا أكثر.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١/٥/٢٠١١👁 6 مشاهدة
🎬
السحر وتلبس الجن بالإنس - ليلة الإثنين 23 صفر 1428 هـ
العقيدة
✦ فتاوى مشابهة
تلبس الجن بالإنس
2 👁ما رأيكم في مسألة تلبس الجن بالإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان ويتكلم على لسانه؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨/٦/٢٠١٧حقيقة تلبس الجن
2 👁هل تلبس الجن بالإنس حقيقة أم مجرد أمور نفسية؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
٢٣/٦/٢٠١١حقيقة المس بالجن
2 👁هل يتحقق مس الجن للإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان أم هو تأثير خارجي؟
👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١/٥/٢٠١٤حضور وانصراف الجن
1 👁ما حقيقة حضور الجن على بدن الإنسان وانصرافهم عنه؟
👤أحمد بن عبيد التمتمي
٢١/٥/٢٠١٤تحقق مس الجن
2 👁هل يتحقق مس الجن للإنس، وهل يدخل الجن في جسد الإنسان؟
👤أحمد بن عبيد التمتمي
١٣/٥/٢٠١٤دخول الجن في جسم الإنسان
6 👁سائل يسأل عن قول المفتي في مسألة دخول الجن في جسم الإنسان والتلبّس.
👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٩/٤/٢٠٢٦