⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الخرافة في الحقيقة لا تزال قائمة في الأوساط الإسلامية، وذلك لأن العقول البشرية التي آمن أهلها بالإسلام لم تُصغ صياغة إسلامية مستمدة من نور القرآن، ومما ثبت ثبوتا لا ريب فيه عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
فعند فراغ العقول من نور القرآن وبصيرته، ومن هدي الرسول صلوات الله وسلامه عليه، تحل محل هذا الذي فُرِّغت منه أوهام الناس، ولا ريب أن للناس أوهاما كثيرة. هناك الكثير من الناس الذين دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزارا من معتقدات الجاهلية السابقة، فكان ذلك سببا لنشر مثل هذه الأفكار البعيدة عن الإسلام والبعيدة عن روح القرآن.
نحن نرى أن القرآن واضح وضوحا لا غبار عليه، وضوح الشمس في رابعة النهار. النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أكرم الناس على الله سبحانه وتعالى، وأرفع الناس قدرا عند الله، وأجل منزلة، وأقربهم منه سبحانه وتعالى بما اختصه الله سبحانه به من مواهبه وآتاه من فضله، النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا يأتي القرآن الكريم ليؤكد أكثر من مرة بأنه من حيث الصفات البشرية العامة هو بشر كسائر الناس، ليست له صفات خاصة، يتألم كما يتألمون، ويحزن كما يحزنون، ويفرح كما يفرحون، ويخفى عليه ما كان وراء الغيب.
النبي صلى الله عليه وسلم يأمره الله تعالى أن يعلن بأنه ليس عنده من الغيب علمُ الغيب شيء، يقول له الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: 188]. فإذا كان هذا النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، الذي يقول الحق تبارك وتعالى في وصفه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، مع هذه المنزلة الرفيعة والقدر العالي، لا يعلم الغيب بحال من الأحوال، وهو مع ذلك لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ومعنى ذلك أن النفع والضر من قبل الله تبارك وتعالى وحده، لا يملك دفع ضراء ولا يملك جلب سراء إلا الحق تبارك وتعالى.
فكيف يأتي إنسان إلى إنسان مثله، إلى إنسان عادي، مهما كان قدره، ومهما كان شأنه، ومهما كانت مواهبه، ومهما كانت مزاياه، إلا أنه بشر عادي ليس هو في مستوى النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا يدانيه، فيحاول أن يستكشف من ورائه الغيب؟ كيف يُرفع بعض الناس إلى مستوى لا يمكن أن يبلغه بشر؟ كيف يُطلب من الناس ما يجب أن يطلب من الله تبارك وتعالى، مع أن القرآن الكريم واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، يبين بكل صراحة أن جميع الخلق لا يملكون لأنفسهم، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم، نفعا ولا ضرا؟ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: 4]، ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّـهُ﴾ [الرعد: 16]، ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: 16]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: 16].
فالنبي صلى الله عليه وسلم مع منزلته لا يملك أن يتدخل في شؤون الألوهية، لا يمكن أن يتدخل في شؤون الربوبية، لا يمكن أن يشارك الله سبحانه وتعالى في تدبير الكون، لا يمكن أن يشارك الله عز وجل في تصريف الوجود، لا يمكن أن يدفع عن نفسه فضلا عن أن يدفع عن غيره ضراء إلا عندما يكتب الله سبحانه وتعالى دفعها. فإذاً كيف يأتي إنسان إلى بشر عادي ويطلب منه؟ والأغرب من ذلك والأدهى والأمر هو أن تُناط هذه الأمور بالموتى في قبورهم، هؤلاء الموتى الذين لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعون، رُمِّمت أجسادهم، وبليت عظامهم، وتطايرت رفاتهم، فإذا بأناس يأتون إلى قبورهم، يقفون على هذه القبور مستجدين، طالبين دفع أي ضراء أو جلب سراء، هذا كله مما ينافي عقيدة الإسلام.
فعقيدة الإسلام هي عقيدة واضحة، يتطابق عليها العقل والنقل، لا يمكن أن تكون متصادمة مع العقل، كما أنها لا يمكن أن تكون متصادمة مع النقل الصحيح، النقل الثابت، لا تتصادم مع القرآن، ولا تتصادم مع السنة المتواترة الثابتة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، لا يمكن أن تكون العقيدة متصادمة مع هذين الأصلين العظيمين. فلذلك كان من الواجب على الناس أن ينزهوا معتقداتهم، وأن يصوغوا هذه المعتقدات صياغة قرآنية قائمة على العقل الصريح والنقل الصحيح، حتى يمكن أن يبتعدوا عن هذه الخرافات، وينزِّهوا عقولهم عن الحوم حولها.