⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
على كل حال مما ينبغي للإنسان أن يبحث عن الصحيح والسقيم، عن الصحيح والضعيف، وسواء كان ذلك مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الأهم، وكذلك أيضًا ما روي عن صحابته الكرام رضي الله تبارك وتعالى عنهم، لأن بعض الروايات التي رويت عن الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم هي في الواقع مما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها ليست مما يمكن أن يقال بالرأي. وبعض تلك الروايات وإن كانوا لم يسمعوها عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن كثيرًا من أهل العلم قالوا: إنه يؤخذ برأي الصحابي، ونحن وإن كنا لا نرى ذلك، ولكن لا شك أن هنالك فائدة عظيمة في معرفة الصحيح والسقيم مما روي عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما السنة النبوية، فمن المعلوم بأنها هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وليس معنى أنها المصدر الثاني أنه أولًا يؤخذ بالكتاب، فإن لم نجد شيئًا في الكتاب نأخذ بالسنة كما ظنه بعض الجهلة، ليس الأمر كذلك، بل علينا أن نبحث عما في الكتاب وعما جاء في السنة النبوية، لأن كثيرًا من الأحاديث التي تأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم تكون مخصصة لعموم ما جاء في الكتاب العزيز، فهل يمكن لأحد أن يأخذ بالدليل العام الذي ورد في كتاب الله تبارك وتعالى زعمًا منه بأنه يقدم الكتاب على السنة؟ ليس الأمر كذلك. وهكذا تكون السنة مقيدة لبعض ما جاء في الكتاب العزيز، فعندما يقولون: إن السنة هي المصدر الثاني، معنى ذلك أنها في المرتبة الثانية، وليس معنى ذلك بأنها تؤخر حتى يبحث عما جاء في الكتاب، فإن لم يجد الإنسان دليلًا أبدًا في الكتاب يأتي إلى السنة الصحيحة ويعمل بذلك. وهكذا بالنسبة إلى القياس، فإن بعض أنواع القياس، وأعني بذلك القياس الصحيح، يكون مخصصًا لعموم كتاب الله تبارك وتعالى أو عموم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن نعرف المراد بالترتيب عندما نقول: المصدر الأول هو الكتاب، والثاني السنة، والثالث الإجماع، والرابع القياس.
وهكذا إذا روى الراوي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه بعد ذلك عمل بخلاف ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يخلو: إما أن يذكر أنه ترك العمل بالسنة لأنه وجد دليلًا يدل على خلاف ذلك، بأن جاء هنالك حديث آخر رواه بعض الصحابة، وجاء متأخرًا عن ذلك الحديث الذي رواه هو، أو أنه خصص تلك الرواية أو قيدها أو ما شابه ذلك، فهنا يؤخذ بذلك الدليل أو يؤخذ بعمل الصحابي، لأنه في الحقيقة عمل بذلك الدليل الذي ذكره ذلك الصحابي، هذا إذا كان ذلك الدليل صالحًا للأخذ به.
أما من حيث الرواية فلا شك بأنه صالح لذلك، لأنه رواه عن صحابي آخر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إشكال في ثبوته، وأما من حيث الاستدلال فيمكن أن يكون صحيحًا، وهو الغالب، ويمكن أن يكون بخلاف ذلك، ممكن أن يخصص به العموم وهو لا يصلح لذلك أو ما شابه ذلك من الأمور.
والقسم الثاني: أن يروي الصحابي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ويعمل بخلاف ذلك ولا يذكر مستندًا لعمله ذلك، فهنا ينبغي لنا أن نبحث عن مستند لعمل ذلك الصحابي، لأن الأصل في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يعملوا، أو أن يتركوا الرواية التي رووها، إلا لدليل آخر يصلح لتخصيص أو تقييد أو نسخ تلك الرواية التي رووها، فهاهنا لابد من البحث والتمحيص عن رواية أخرى جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
من المعلوم أن الأصل في حق الإنسان العالم إذا أراد أن يعمل بشيء أو أراد أن يفتي في مسألة أو أراد أن يحكم في قضية أن يبحث عن الدليل حتى يترجح لديه الراجح من الأقوال إن كان في المسألة أقوال، أو أن يجد دليلًا يدل على حكم تلك المسألة إن لم يكن هنالك شيء من الأقوال. لكن هنا هنالك فرق في حالة البحث بينما إذا خالف الصحابي الرواية أو لم يخالف، ونحن نعلم بأن الناس قد اختلفوا، منهم من ذهب إلى الأخذ برواية الراوي، ومنهم من ذهب إلى الأخذ برأيه، ونحن نذهب إلى ما ذكرته الآن من أنه لابد من شدة البحث في مثل هذه القضية، لأن الأصل ألا تغيب مثل هذه القضية عن الصحابي من قِبَلِ قصر المدة.
لكن إن بحثنا ولم نجد شيئًا أبدًا يخالف تلك الرواية التي رواها الراوي، فهنا نقدم الرواية على رأي ذلك الراوي، مع احتمالنا له بأنه لم يترك تلك الرواية إلا لشيء وجده، فلا يقدح فيه، ولكن لا يؤخذ برأيه. هذا هو أصح قولين في هذه المسألة، لأن بعض المحدثين من المحققين ذهب إلى تقديم رأي الراوي لأجل أنه جزَم بأن ذلك الراوي لم يترك ذلك إلا لعلة، ولكن كما قلت: نحن نجمع بأن نشدد البحث في هذه القضية، فنفرق بين قضية ليس فيها مخالفة وقضية فيها مخالفة.