⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يقول: إذا خالف الراوي العمل بما رواه، فهل ذلك يعني الطعن في روايته؟ بعد ذلك يقول: فما القول الذي يُنسب إليه في حكم تلك المسألة؟
على كل حال نحن ذكرنا الصحيح في هذه المسألة، وقلنا بأن الرواية هي التي تُقدم، لكن بالشرط الذي ذكرناه؛ لأنه ليس بالسهل الهين البسيط أن نقول: هذا الصحابي ترك الرواية، ما كانوا رضوان الله تبارك وتعالى عليهم يتركون ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا ما رواه غيرهم من صحابة آخرين، وهكذا بالنسبة إلى العلماء العاملين الذين جاؤوا بعدهم، ليس من السهل أن يتركوا الرواية.
لكن يمكن للبشر أن يقع له النسيان والذهول والغفلة عما رواه، ويمكن أن يجد دليلًا يظن أنه ناسخ وليس بناسخ، ويمكن أن يظن بأنه مخصص ولا يصلح للتخصيص، أو مقيد ولا يصلح للتقييد، أو ما شابه ذلك.
لكن يأتي طالب صغير مثلًا ويجد رواية، ويجد الإمام الفلاني عمل بخلاف ذلك، ويقول: آخذ بالرواية ولا آخذ بعمل الراوي الذي خالفها، هذا على كل حال مردود عليه، أن يسأل أهل العلم، لأن أهل العلم وإن قالوا ما قالوه، لكن ذلك بعد التمحيص والبحث في هذه القضية.
نحن نجد مثلًا الإمام أبا عبيدة رحمه الله ورضي عنه وأرضاه، وهو من الأئمة الذين جمعوا بين الحديث والفقه، جمع بين الرواية والدراية، في قضية ذوات الناب من السباع والمخلب من الطير، رواها هو نفسه، والراوي عنه الربيع بن حبيب، ورواها هو عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد، وجابر بن زيد رواها عن أبي هريرة، فلا قدح لا من بعد أبي عبيدة، يعني في الراوي عن أبي عبيدة، ولا قادح في الرواة الذين روى عنهم أبو عبيدة، لا كلام في ذلك أبدًا، لا كلام لا في من روى عنه ولا في من روى هو عنهم.
لكن نجد له في الأثر بأن أبا عبيدة لا يقول بالتحريم، بل يقول بالإباحة، والحديث نص صريح واضح لا يحتمل الجدل يدل على التحريم. فهنا أبو عبيدة مع جلالة قدره وفخامة شأنه وعلو منزلته بشر، قد ينسى وقد يسهو، ويمكن أيضًا أن يكون قال ذلك الرأي قبل أن يجد تلك الرواية، قبل أن يسمع تلك الرواية من شيخه، ثم بعد ذلك روى الرواية، ومذهبه في الحقيقة هو ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بسنده، لكن الذين رووا عنه الرأي المخالف للرواية لم يبيّنوا بأن هذه الرواية قال بها أبو عبيدة رضي الله عنه قبل أن يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كثير كثير.
عند تخفِّي بعض الروايات على بعض الرواة وينسى بعض الرواة بعض الروايات، حتى تجدون بعض الرواة يحدّث عمَّن حدّثه هو أولًا بتلك الرواية، وما ذلك إلا لنسيان. ونحن وإن كنا لا نقيس أنفسنا على أولئك الفطاحل، لكن قد نقول بشيء، ثم يأتي وقت طويل وننسى ذلك الشيء الذي قلناه ونقول بخلاف ذلك، فهذا واقع ما له من دافع.
فالحاصل: لا يقدح في الراوي، ولا تُعَل هذه الرواية، لكن احتمال العلة، أو احتمال التعليل، أو احتمال التخصيص والنسخ والتقييد، احتمال قوي، قوي جدًّا جدًّا جدًّا، فلابد من شدة البحث والتمحيص مخافة الوقوع في المحظور.